سعيه إلى القمة التي ارتقى إليها إبراهيم من قبل ، فتجاوبا في ذلك البلاء المبين « . . . أَنِّي أَذْبَحُكَ . . . افْعَلْ ما تُؤْمَرُ » وهنا « ما تؤمر » عبارة أخرى تفسيرا ل - / « إِنِّي أَرى . . . » فقد كان أمرا عمليا دونما لفظة ، ووحيا إليه من فعل الخيرات يراه الذبيح فكيف لا يراه الذابح ؟ ! ولكنه بحاجة إلى صبر خارق وتسليم فائق ليس في طوق الإنسان أيا كان ، ولكنك « سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ » مشية التكوين التوفيق بعد مشيئة التشريع « من الصابرين » أمام أمرك ! وفي تحويل « صابرا » عن خاصة نفسه إلى « الصابرين » حيث تشمله وسواه ، تحوّل من الأنانية بالتفرد ، إلى جمعيته الرحمة ، وتلميح أديب توصية إلى أبيه بالتصبر كما هو يصبر وأين صبر من صبر ! هنا لا تأخذه بطولة ولا شجاعة واعتماد على همة ولا يرى لنفسه حولا ولا قوة إلّا باللّه ، ويا للأدب الرائع ونبل الإيمان وجزالة التسليم ، وإلى المذبح بكل طوع وتعظيم : فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الُمحْسِنِينَ ( 105 ) . أو لم يسلما لحد الآن ؟ ومن قبل كانا مسلمين بكل مراتبه ! أجل ولكنه حاضر التسليم عمليا ، بعد تحضيره نظريا ، وأين القول من النظر ؟ وأين النظر من العمل ؟ « تقولون في المجالس كيت وكيت فإذا جاء الجهاد فحيدي حياد » ! « فَلَمَّا أَسْلَما » ثم ماذا ؟ « وتله » صرعه « للجبين » ثم ماذا ؟ لا نجد بين إسلامهما وتلّه هنا حديثا ، وهو مطوي يعرفه بطبيعة الحال كل عارف بالموقف والحال ، ولا نجد ل - / « فلما . . . » جوابا ، وقد طوي عنه لأنه مدهش دون حدّ ، وموحش لأيأحد . وها هنا كل إخلاص وإسلام ، هنا كل إسلام وتلّ ، واستسلام على التّلّ ، إسلام التل وتلّ الإسلام في أرفع قمة من القلل ، إسلام لا يفوقه إسلام . إنه ليس هو الشجاعة والجرأة ولا اندفاعة وحماسة في الميدان ، يقتل فيه المجاهد أو يقتل ، ولكنه لا يقتل
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 35
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٥