اولي العزم ، أم دونه كسائر النبيين والمرسلين وسائر المؤمنين ، وهم كلهم أولى الناس به : « إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا » ( 3 : 68 ) فقد يعني « لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ » أمثاله في ولاية العزم ، أم أصحاب المنازل الثلاث كلهم تعميما قبل تخصيص ، وعلّه أولى ، مهما كانت متابعة هذا النبي في أصل السلوك والمسلك لا في رتبته وكما في « الَّذِينَ آمَنُوا » فقد يعم « فَمَنْ تَبِعَنِي » متابعيه من ولده وسواهم « فَإِنَّهُ مِنِّي » وان بعدت لحمته ، كما « وَمَنْ عَصانِي » يعم العصاة من ولده وسواهم - / فليس مني - / وان قربت لحمته . إذا ف « وَمَنْ عَصانِي » يعم كافة العصاة لشرعة اللَّه ، المجانبين سلوكه ومسلكه ، سواء أكانوا ملحدين أو مشركين ، أم موحدين عصاة متخلفين عن عملية الايمان كلا أو بعضا ، وبذلك تنحل المشكلة العويصة في « فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » - / « وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » ( 2 : 126 ) ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ . . . مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ، وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ . . . » ( 9 : 114 ) . فان الاستغفار لأصحاب الجحيم محرم في شرعة اللَّه ولا سيما للمشركين ، فكيف يرجو إبراهيم لمن عصاه وأشرك « فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » غلطة ذات بعدين ثانيهما التحقق من غفر اللَّه ورحمته ؟ . والجواب ان « عصاني » يعم كل عصيان وقد يستثنى الإشراك باللَّه ممن مات مشركا ، واما العصاة في غير الإلحاد والإشراك ، أم المشركون التائبون « فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » مهما كانت هنالك شروط ، وهنا الخليل الحنون تبدو سمته العطوفة حين لا يطلب الهلاك لمن عصاه من نسله وسواه ، فلا يستعجل لهم العذاب بل ولا يذكر العذاب ، وانما يكلهم إلى غفران اللَّه ورحمته ، ويلقي على الجو ظلال الرحمة والمغفرة ، حيث يتوارى ظل المعصية ! .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 144
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٤٤