ذرّه ، إلّا ما أودعه اللّه فيه من الغيب المكنون ، المستكن في : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها التي تصاغ هنا بصيغة الذرية ، فهو عرض للواقع الحق من التكوين الفطري للإنسان بصورة التساءل والتقاول كما هي دأب القرآن في تجسيم الحقائق البعيدة عن الإحساس ، حيث يصورها بصورة المحسوس قولا وسواه .
وقد وردت روايات حول الذر وعالمه متهافتة متضادة مع بعض ، معارضة مع الآية ، وبجنبها أقوال وآراء غريبة قلّما يقرب منها منطوق الآية .
لذلك ، ولكي نكون على بصيرة في مغزى الآية ، علينا أن ننظر إلى عالم الذرية من زاوية الآية نفسها بكل إمعان ودقة : مع العلم المسبق أن الذر هي النمل ، وليست الذرية ! ولا نجد في القرآن كله إلّا ذرة وذرية وهما من أصل واحد ، مهما اختصت الثانية بقبيل الإنسان ، فقد أوغلوا في الخطأ في تفسير آية الذرية لفظيا ومعنويا .
قد يشهد بعض بالآية أن هناك قبل خلق الإنسان له كيان الذر ، وعالمه عالم الذر ، لمكان المسائلة : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى « 1 » ولكنما التأنّق في سائر مضمونها يدلنا إلى
هامش
( 1 ) . قال الشريف المرتضى في أماليه ( 1 : 28 ) وقد ظن من لا بصيرة له ولا فطنة عنده أن تأويلهذه الآية أن اللّه تعالى استخرج من ظهر آدم عليه السلام جميع ذريته وهم في خلق الذر ، فقررهم بمعرفته ، وأشهدهم على أنفسهم ! وهذا التأويل - مع أن العقل يبطله ويحيله - مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه لأن اللّه تعالى قال : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ولم يقل من آدم وقال من ظهورهم ولم يقل من ظهره ، وقال : ذريتهم ولم يقل ذريته ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة : إنهم كانوا عن ذلك لغافلين ، أو يعتذروا بشرك آباءهم ، وأنهم نشئوا على دينهم وسنتهم وهذا يقتضي أن الآية لم تتناول ولد آدم عليه السلام لصلبه وأنها إنما تناولت من كان له آباء مشركون ، وهنا يدل على اختصاصها ببعض ذرية بني آدم فهذه شهادة الظاهر ببطلان تأويلهم - فأما شهادة العقول فمن حيث لا تخلو هذه الذرية التي استخرجت من ظهر آدم عليه السلام فخوطبت وقررت من أن تكون كاملة العقول ، مستوفية لشروط التكليف أو لا تكون كذلك فإن كانت بالصفة الأولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم وإكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال وما قرروا به واستشهدوا عليه ، لأن العاقل لا ينسى ما جرى هذا المجرى ، وإن بعد العهد وطال الزمان ، ولهذا لا يجوز أن يتصرف أحدنا في بلد من البلدان وهو عاقل كامل فينسى مع بعد العهد جميع تصرفه المتقدم وسائر أحواله ، وليس أيضا لتخلل الموت بين الحالين تأثير ، لأنه لو كان تخلل الموت يزيل الذكر لكان تخلل النوم والسكر والجنون والإغماء بين أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضى من أحوالهم لأن سائر ما عددناه مما ينفي العلوم يجري مجرى الموت في هذا - الباب ، وليس لهم أن يقولوا : إذا جاز في العقل الكامل أن ينسى ما كان عليه في حال الطفولة جاز ما ذكرناه ، وذلك إنما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادّعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى لهم وهم كاملوا العقول ، ولو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه ، على أن تجويز النسيان عليهم ينقض الفرض في الآية وذلك أن اللّه تعالى أخبر بأنه إنما قررهم وأشهدهم لئلا يدعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك ، وسقوط الحجة عنهم فيه ، فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجة وزوالها ، وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف قبح خطابهم وتقريرهم وإشهادهم وصار ذلك عبثا قبيحا يتعالى اللّه عنه . . .