ترى إذ يراد التعريف بمتعلم الوحي الأخير وجاءه كلّ معارض نكير ، هل يؤتى باسم معلمه الأصيل وهو اللّه ، أم باسم الوسيط في وحيه جبرئيل ؟ لو صحّ انه علّمه ! وليس تعليمه هو موضع بحث بين مثبت ونكير ! لا ريب أن المقام يقتضي ذكر المعلم الأعلم - شَدِيدُ الْقُوى هو اللّه لا جبرئيل .
ثم جبريل ، مهما كان وسيطا في الوحي المفصل أو معلمه فيه ، فلم يكن وسيطا في محكمه ، ولا سيما وحي المعراج ، وقد عرج عنه الرسول صلى الله عليه وآله وحيدا إلى سدرة المنتهى ، وما فوقها ، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى . فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
وهذه الآيات تخص وحي المعراج ضمن ما يعم وحي القرآن كله ، مفصله ومجمله ، فلم يكن هناك جبرئيل حتى يكون معلمه ، إذ تركه صلى الله عليه وآله عند السدرة وقبل العرش قائلا :
تقدم يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله ! ليس لي أن أجوز هذا المكان ولو دنوت أنملة لاحترقت « 1 » فشديد القوى هو اللّه وليس جبرئيل .
ولئن كان جبرئيل معلمه صلى الله عليه وآله وحتى في وحي المعراج ، فليس الرسول كمتعلم عبدا لجبرئيل ، إذا فما ذا يعنى من : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
ولا مرجع مسبقاً لضمير الغائب هنا إلّا شديد القوى ، فهل أصبح جبرئيل الوسيط في الوحي معبودا للرسول صلى الله عليه وآله ، وليس هذا الإيحاء إلّا ذلك التعليم : فمن المستحيل هنا أن يكون شديد القوى هو جبرئيل .
ثم لا نرى تصريحا في القرآن ولا تلويحا أن جبرئيل كان معلم الرسول صلى الله عليه وآله .
وإنما نازلا بالوحي إلى قلبه المنير نجوما طوال البعثة ، بعد الوحي المحكم النازل عليه
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان ج 9 ص 224 في رواية ، ورواها في المناقب ابن عباس قال : فلما بلغ الىسدرة المنتهى وانتهى إلى الحجب قال جبرئيل : تقدم يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله ! ليس لي ان أجوز هذا المكان ولو دنوت أنملة لاحترقت