تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
فصلح الحديبية فتحٌ إذ فتح مجالًا واسعاً موقفاً محبوراً لفتح مكة ، حيث أمنوا به بأس قريش فاتجهوا إلى تخليص وتطهير سائر الجزيرة عن سائر الكفار بفتح خيبر ، فقسم الرسول صلى الله عليه وآله غنمائه بين من حضر الحديبية . فلا تصدق رؤيا الرسول صلى الله عليه وآله « لتدخلن المسجد الحرام » ولا وعده برده إلى معاد ، ولا دخول الناس في دين اللَّه أفواجاً ، ولا ظهور الإسلام على الكفر ظاهراً باهراً ، ولا فتح مبين ، إلّا في فتح مكة المكرمة : عاصمة الرسالة الإسلامية ومنطلق الدعوة ومولدها . وفي الحق إنه فتح الفتوح ، كأنه الفتح لا سواه ، ولأنه غاية الفتوح وبُغية المسلمين لا سواه ، إلّا كذرائع إليه ، ولحدٍّ تراه أحب إلى قلب الرسول صلى الله عليه وآله من الدنيا وما فيها . وهل هنا وجه للجمع بين الفتحين ان تحملها سورة الفتح كما يروى ، مع آنهاتحمل بشارة بفَتحٍ واحد « فتحاً مبيناً » ؟ أقول : نعم ، انه صلح الحديبية كذريعة ، وهو فتح مكة كأصل ، فيها واحد كياناً رغم أنهما اثنان كوناً ، فصيغة الماضي هنا نبأ بمضيِّها لفتح مضى ، وبشارة بتحقيقها بفتح يستقبل ، فتحقق الوقوع في بشارة يجعلها كأمر مضى أو آكد وأقوى ، كما أن وقوعه أيضاً أمر مضى ، وهنا أمران ماضيان : فتح مضى زمناً وكذريعة ، وفتح مضى كياناً وإمضاءً في وعده تعالى ، فماض واحد هنا « فتحنا » يشير إلى اثنين ، ثانيهما رغم استقباله أعلى وأولى من أولاهما زغم مضيه فإنه كذريعة له أدنى . وآيات من السورة نفسها تبين هذا التلاحم الوطيد بين الفتحين فتجعل فتح مكة - المستقبلة - إثابة للمبايعة تحت الشجرة : « لقد رضي اللَّه عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً » كذلك وصدقاً لرؤياه وجعلًا لفتح قريب : « لقد صدق اللَّه رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً » . فالفتح القريب المستقبل مجعول عند اللَّه في الماضي وممضىً اثابةً لمبايعة مرضية