وَعْدَ اللَّهِ لَايُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ « 1 »
« وعدَ اللَّه » قد يكون مفعولًا مطلقاً ل « وعَد اللَّه » أم مفعولًا لمثل « صدقوا » وهو على اية حال تأكيدٌ أن : « سيغلبون » وعدٌ من اللَّه محتوم و « لا يخلف اللَّه وعده » حيث الخلف ليس إلّا عن جهل أو عجز أو بخل أو ظلم أو نسيان امّا ذا من نقص فيمن وَعَد ، واللَّه بريءٌ عن كل ذلك فلا خُلفَ لوعده ، فإنه صادر عن علمه وإرادته الطليقة وحكمته العميقة ، قادراً على تحقيقة ، ولا رادَّ لإرادته ، ولا معقِّب لحكمه ، « ولكن أكثر الناس لا يعلمون » وعدَ اللَّه ، ولا أنه لا يخلف الميعاد ، وهم غير المؤمنين باللَّه ، انهم لا يعلمون كناس منقطعين عن الأيمان ووحيه وعدَ اللَّه وإنجازه ، فحقاً إنهم لا يعلمون ، وإنما :
يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ « 2 »
هنا « يعلمون » بديلًا عن « لا يعلمون » إعلان صارخ أن علمهم هذا جهل أمام العلم الحق الحقيق بالإنسان ، ثم هي استثناءٌ عن « لا يعلمون » تستثني ضئيلًا من العلم يختص ظاهراً من الحياة الدنيا ، فأصل العلم هو العلم الإيمان الإيقان بالمبدء والمعاد وما بين المبدء والمعاد ، من الواجب معرفته أخذاً من المبدء وحياً وسواه ، وانتهاءً إلى المعاد لقاءً للرب .
ثم العلم بالحياة الدنيا إذا كان ذريعة إلى الشعور الكامل بزوالها ، ومنظاراً للنظر إلى عواقبها ، ومعياراً للعمل الصالح فيها لأخراها ، فهو علم بباطنها إبصاراً بها تُبصِر أصحابها ، دون الإبصار إليها كمنتهى وغاية فإنها - إذاً - تُعميهم .
هؤلاء الأغنياء إنما « يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا » فقد يُعلم باطنها بملكوتها ويُركن - رغم ذلك العلم - إليها ، أو يعلم كل ظواهرها ومظاهرها دون باطنها فأجهل بالحق وأنكى ، ذرهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ، ألم يعلموا أن لها مبدءً ومعاداً ؟ :
هامش
( 1 ) ) . سورة الروم 30 : 6
( 2 ) ) . سورة الروم 30 : 7