الحَيَوان في الأخرى .
كل ظواهر الحياة الدنيا محدودة معدودة ، فضلًا عن « ظاهراً من الحياة الدنيا » مهما بدا لأهلها شايعاً ناصعاً ، والآخرة هي الحلقة الأخيرة الدائبة في سلسلة النشآت الحيوية ، فكلما بعدت آماد العلوم والأنظار في هذه الحياة ، طليقةً عنها إلى حقيقتها الحاضرة والمستقبلة ، واتسعت الآفاق في تلك المطلَّعات والنظرات ، كانت حصيلة العلم بالآخرة أزهى وأضحى ، وأصحابها أبصر بالحق الطليق وأبعد عن العمى ، وعلى حدّ قول الإمام علي عليه السلام في وصفها : « من أبصر بها بصرّته ومن أبصر إليها أعمته » .
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 1 »
وإذ لم يعلموا هم في أنفسهم إلّا ظاهراًمن الحياة الدنيا إذ لم يتفكروا فيها فغفلوا عن الأخرى « أو لم يسيروا في الأرض » سيراً آفاقياً بعد التغافل عن السير الأنفسي « فينظروا » نظر التعقل والتفكير والاعتبار « كيف كان عاقبة الذين من قبلهم » من المشركين أضرابهم ، أن اخذهم عذاب الهون بما كانوا يكسبون وقد « كانوا أشد منهم قوةً » عِدَّة وعُدَّة « وأثاروا الأرض » إثارة الزرع والعمار « وعمروها » بمختلف العمار « أكثر مما عمروها » وهم كما أنتم « جاءتهم رسلهم بالبينات » فجحدوا بها « فما كان اللَّه ليظلمهم » أن يعذبهم دون حجة « ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » بما كذبوا وما عذِّبوا .
ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون « 2 »
« عاقبة » خبر مقدم ل « كان » فقد يكون اسمها « السوأَى » أم « ان كذبوا » و « السوأَى » مفعول أساءوا ، وهي كالحسنى وضدها في المعنى ، مؤنث الأسود : « ولنجزينهم أسوء
هامش
( 1 ) ) . سورة الروم 30 : 9
( 2 ) ) . سورة الروم 30 : 10