تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
ذلك ، فالمؤمن الفقيه الصابر إنما يقدم في الجهاد قضيةَ إيمانه الفقيه الصابر ، وهو هو القوة التي لا قوة فوقها يساميها أم مثلها فيساويها ، فالشجاعة والجرأة والاستقامة والطمأنينة والثقة باللَّه وأنه يتربص إحدى الحسنيين ، هي التي تعدل - لأقل تقدير - عشراً من القوات الكافرة الخاوية عن تلكم القوات الإيمانية . فحينما المؤمن يطير ويستطير بهذه القوى ، ليس الكافر ليطير إلا بالهوى ، فما اتفق الكافر وغايته الغاوية الهاوية ، وهي الحفاظ على الحياة الدنيا وزينتها . فهو مقدام عليه دون أية هوادة ، فأما أن يموت في سبيل هذه الحياة فلا ، ولكن المؤمن يموت في سبيل حياة هي أحيى وأبقى « وما عند اللَّه خير وأبقى » . فالصبر والفقاهة المستصحبَان للإيمان هما رمز الغلبة على أصحاب الفشل والسفاهة المستصحبَان اللّاإيمان ، وهذه سنة مستمرة بين المتناحرين ، أن الأقوى منهم روحية وتصميماً وغايةً هو الأقوى في النضال على أية حال . فمعشار المؤمن من الكفار مغوار يقتل عشرة منهم بطبيعة الحال ، ف « من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها » تقرر أقل تقدير لَنا عِليه الحسنة ، فلأن الجهاد حسنة فمجاهد واحد بجهاده في سبيل اللَّه له عشر أمثاله من قبيل الكفر أن يغتالهم أو يقتلهم أو يغلبهم دونما تزعزع وفتور . ثم « يغلبوا » مرتين في بصورة الجزاء خبراً عن الشرط ولكنه أمر لأمور عدة : منها أن في كونها خبراً كذبٌ حيث غُلبوا ويُغلبون مراراً وتكراراً ، ومنها أن التخفيف لا مجال له الخبر إلا كذباً و « الآن خفف اللَّه عليكم » تخفيف ، من المعشار المغوار إلى ضِعف في واجب القرار ومحرم الفرار . ذلك ولكن الإخبار هنا معنى بالإنشاء وبينهما فارق تحليق عناية الإنشاء على كافة الموارد كضابطة ، ولكن صدق الإخبار يكفيه حصول المخبر به بطبيعة الحال ، ومهما تخلف أحياناً فإنه لملابسات مضادة لشروط الغلبة . وهنا « يغلبوا » دون يقاتلوا دليل واجب الغلبة بواجب المعشار فضلًا عما فوقه ،