ذلك ، ولأن الدار هي دار التزاحم ، ولكلٍّ طموحات غير محدودة تقتضي التحسُّد على أصحاب النعم التي هو يفقدها ، فليمكن إزالة البغضاء والعداء اللذين هما الخليفة الطبيعية ، أن تزال بما في الأرض من نفس هذه النعم ، اللَّهم إلّا بعناية ربانية على ضوء الإيمان باللَّه مهما كانت بسبب أرضى كالأموال ، أم سماوي كالرسول صلى الله عليه وآله .
فطالما حاول كثير من أولي النعمة أن يؤلفوا قلوب المعدمين بأموال فازدادوا بغضاء وعداءً ، إذ لا صلة لهذه العطيات بمرضات اللَّه وعناياته الخاصة ، فالرحمة الربانية هي أية وسيلة هي وصيلة للتأليف : « ولا يزالون مختلفين إلّا من رحم ربك ولذلك خلقهم » . « 1 »
فهنا تأييدان اثنان ربانيان : « أيدك بنصره » الخاص دون أسباب ظاهرة ، سواءٌ أكان بالملائكة أم دون أي سبب خلقي ، « بالمؤمنين » وهم من الأسباب الظاهرة ولكن شرطَ تأليف قلوبهم ، وليس هو أيضاً إلا من اللَّه ، إذاً فالنصر واحد هو من عند اللَّه دون فارق في أصله أنه من عند اللَّه .
فلقد وقعت المعجزة الربانية التي لا يقدر عليها إلّا اللَّه ، أن استحالت هذه القلوب النافرة المستنفرة ، وهذه الطباع الشَّموس المستنكرة ، استحالت إلى هذه الكتلة المتراصَّة المتآخية الذَّلول ، المتحاثَّة بعضها بعضاً في تحكيم الألفة والمحبة بذلك المستوى المنقطع النظير في تاريخ أي بشير ونذير .
إنها بالفعل عجيبة أن تستحيل قلوب متنافرة إلى مزاج عريق من الحب والألفة الإيمانية التي تليّن جاسيها ، وترقِّق حواشيها ، وتُندي جفافها ، فإذاً نظرة العين ولمسة اليد ونطق اللسان وخفقة القلب ، هي ترانيم من التعارف والتعاطف الوطيد العتيد والسماحة والهوادة ، التي لا يعرف سرها إلا الذي ألف بينها .
هامش
( 1 ) ) . سورة هود 11 : 119