أخجلتني بندى يديك فسّودت
ما بيننا تلك اليد البيضاء [ 1 ]
وقطعتني بالبرّ حتى إنني
متوهّم أن لا يكون لقاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعة
عجبا وبرّ راح وهو جفاء
ليواصلنّك ركب شعري سائرا
تهدى به في مدحك الأعداء [ 2 ]
حتى يتمّ لك الثّناء مخلَّدا
أبدا كما دامت لك النّعماء
فتظلّ تحسدك الملوك الصيد بي
وأظلّ يحسدني بك الشّعراء
كان موته بالسكتة
: أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش : قال : سألني القاسم بن عبيد اللَّه عن خبر البحتريّ ، وقد كان أسكت ، ومات من تلك العلَّة ، فأخبرته بوفاته ، وأنه مات في تلك السّكتة ، فقال : ويحه رمي في أحسنه [ 3 ] .
أبو تمام يلقن البحتري درسا في الاستطراد
: أخبرني محمد بن يحيى : قال : حدثني محمد بن عليّ الأنباريّ : قال :
سمعت البحتريّ يقول : أنشدني أبو تمام يوما لنفسه :
وسابح هطل التّعداء هتّان
على الجراء أمين غير خوّان [ 4 ]
أظمي الفصوص ولم تظمأ قوائمه
فخلّ عينيك في ظمآن ريّان [ 5 ]
فلو تراه مشيحا والحصى زيم [ 6 ]
بين السّنابك من مثنّى ووحدان
أيقنت إن لم تثبّت أنّ حافره
من صخر تدمر أو من وجه عثمان [ 7 ]
ثم قال لي : ما هذا الشعر ؟ قلت : لا أدري ، قال : هذا هو المستطرد ، أو قال الاستطراد . قلت : وما معنى ذلك ؟ قال : يريك أنه يريد وصف الفرس وهو يريد هجاء عثمان ، وقد فعل البحتري ذلك ، فقال في صفة الفرس :
ما إن يعاف قذى ولو أوردته
يوما خلائق حمدويه الأحول
وكان حمدويه الأحول عدوّا لمحمد بن علي القمّي الممتدح بهذه القصيدة فهجاه في عرض مدحه محمدا .
واللَّه أعلم .
هامش
[ 1 ] لعله يريد بتسويد النعمة البيضاء ، ما فرط منه من تجميشه للغلام ، أو يريد أن هذه النعمة جعلته له رقيقا على حد قول الشاعر :كلما قلت أعتق اللَّه رقي
صيرتني له المكارم عبدا[ 2 ] في ب : « لأوصلنك » . وفي مم : « تهذي » بدل « تهدي » وفي « المختار » : « يرويه فيك لحسنه الأعداء » .
[ 3 ] لعله يريد بأحسن ما فيه ، لسانه .
[ 4 ] ب : « الشعراء » بدل « التعداء » وهو تحريف ، والجراء : جمع جرو ، وهو ولد الكلب وكل سبع .
[ 5 ] الفصوص : المفاصل ، وظمؤها : ضمورها ، وجر « ريان » وكذا عثمان في البيت الأخير لضرورة الشعر ، وفي « المختار : » فجل بعينيك في ظمآن ريان « .
[ 6 ] زيم : جمع زيمة ، وهو القطعة من الشيء .
[ 7 ] تثبت : فعل مضارع حذفت منه إحدى التائين . وتدمر : قال ياقوت : تدمر : مدينة قديمة مشهورة في برية الشام ، والمقصود وصف وجه عثمان بالصفافة ، حتى كأنه قطعة قدت من صخر ، وعثمان هو عثمان بن إدريس .