رأسه مرّة ، ومنكبيه أخرى ، ويشير بكمّه ، ويقف عند كل بيت ، ويقول : أحسنت واللَّه ، ثم يقبل على المستمعين ، فيقول : ما لكم لا تقولون أحسنت ؟ هذا واللَّه ما لا يحسن أحد أن يقول مثله : فضجر المتوكل من ذلك وأقبل عليّ ، وقال : أما تسمع يا صيمريّ ما يقول ؟ فقلت : بلى يا سيّدي ، فمرني فيه بما أحببت ، فقال : بحياتي أهجه على هذا الرّويّ الذي أنشدنيه ، فقلت : تأمر ابن حمدون أن يكتب ما أقول ، فدعا بداوة وقرطاس ، وحضرني على البديهة أن قلت :
أدخلت رأسك في الرّحم
وعلمت أنّك تنهزم
يا بحتريّ حذار ويحك
من قضاقضة ضغم [ 1 ]
فلقد أسلت بواديي
ك [ 2 ] من الهجا سيل العرم
فبأيّ عرض تعتصم
وبهتكه جفّ القلم ؟
واللَّه حلفة صادق
وبقبر أحمد والحرم
وبحقّ جعفر الإما
م ابن الإمام المعتصم
لأصيّرنّك شهرة
بين المسيل إلى العلم
/ حيّ الطَّلول [ 3 ] بذي سلم
حيث الأراكة والخيم
يا بن الثّقيلة والثق
يل على قلوب ذوي النّعم
/ وعلى الصغير مع الكب
ير من الموالي والحشم
في أي سلح ترتطم
وبأيّ كفّ تلتقم ؟
يا بن المباحة للورى
أمن العفاف أم التّهم [ 4 ]
إذ رحل أختك للعجم
وفراش أمّك في الظَّلم
وبباب دارك حانة
في بيته يؤتى الحكم
قال : فغضب ، وخرج يعدو ، وجعلت أصيح به :
أدخلت رأسك في الرّحم
وعلمت أنّك تنهزم
والمتوكل يضحك ، ويصفّق حتى غاب عن عينه .
هكذا حدثني جحظة عن أبي العنبس .
ووجدت هذه الحكاية بعينها بخط الشاهيني حكاية عن أبي العنبس ، فرأيتها قريبة اللفظ ، موافقة المعنى لما ذكره جحظة ، والذي يتعارفه الناس أن أبا العنبس قال هذه الأبيات ارتجالا ، وكان واقفا خلف البحتريّ ، فلما ابتدأ وأنشد قصيدته :
هامش
[ 1 ] القضاقض : الأسد ، وجمعه قضاقضة ، وضغمه : عضه بملء فيه ، فهو ضاغم ، وجمعه ضغم .
[ 2 ] ب ، مم : « بوالديك » والمثبت من ف .
[ 3 ] ب ، س : « حيث الطلول » .
[ 4 ] ب : « أمن العقاب أم الفهم » والمثبت من مم ، ف ، والمستفهم عنه ما ورد في البيتين التاليين .