فكان يقتلهما جوعا ، فإذا بلغ منهما الجوع أتياه يبكيان ، فيرمي إليهما بثمن أقواتهما مضيّقا مقتّرا ، ويقول : كلا ، أجاع اللَّه أكبادكما [ 1 ] وأعرى أجلادكما [ 1 ] وأطال إجهادكما .
قال حكم بن يحيى : وأنشدته يوما من شعر أبي سهل بن نوبخت ، فجعل يحرّك رأسه ، فقلت له : ما تقول فيه ؟ فقال : هو يشبه مضغ الماء ليس له طعم ولا معنى .
وحدثني أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهانيّ الكاتب ، قال :
دخلت على البحتريّ يوما فاحتبسني عنده ، ودعا بطعام له ، ودعاني إليه ، فامتنعت من أكله ، وعنده شيخ شاميّ لا أعرفه ، فدعاه إلى الطعّام ، فتقدّم ، وأكل معه أكلا عنيفا ، فغاظه ذلك ، والتفت إليّ ، فقال لي : أتعرف هذا الشيخ ؟ فقلت : لا ، قال : هذا شيخ من بني الهجيم الذين يقول فيهم الشاعر :
وبنو [ 2 ] الهجيم قبيلة ملعونة
حصّ اللَّحى [ 3 ] متشابهو الألوان
لو يسمعون بأكلة أو شربة
بعمان أصبح جمعهم بعمان [ 4 ]
قال : فجعل الشيخ يشتمه ، ونحن نضحك .
ماء من يد حسناء
: وحدثني جحظة : قال : حدثني عليّ [ 5 ] بن يحيى المنجّم : قال :
اجتازت جارية بالمتوكَّل معها كوز ماء ، وهي أحسن من القمر ، فقال لها : ما اسمك ؟
/ قالت : برهان ، قال : ولمن هذا الماء ؟ قالت : لستيّ قبيحة ، قال : صبيّه في حلقي ، فشربه عن آخره ، ثم قال للبحتريّ : قل في هذا شيئا ، فقال البحتريّ :
ما شربة [ 6 ] من رحيق كأسها ذهب
جاءت بها الحور من جنّات رضوان
يوما بأطيب من ماء بلا عطش
شربته عبثا من كف برهان
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش ، وأحمد بن جعفر جحظة : قالا : حدثنا أبو الغوث بن البحتري : قال :
كتبت إلى أبي يوما أطلب منه نبيذا ، فبعث إليّ بنصف قنّينة درديّ [ 7 ] ، وكتب إليّ : دونكها يا بنيّ ، فإنها تكشف القحط ، وتضبط الرّهط . قال الأخفش ، وتقيت الرّهط .
قصته مع أحمد بن علي الإسكافي
: حدثني أبو الفضل عباس بن أحمد بن ثوابة قال :
هامش
( 1 - 1 ) التكملة من : ف ، مم .
[ 2 ] ب ، س : « وبني الهجيم » .
[ 3 ] حص اللحى : قليلو شعر اللحية .
[ 4 ] عمان الأولى ممنوعة من الصرف ، وعمان الثانية مصروفة ، وليس في هذا ضرورة شعرية . لأنه يجوز فيها الأمران ، كقريش وتميم ونحوهما ، على معنى حي أو قبيلة .
[ 5 ] كذا في النسخ ، وفي نسخة بيروت : « يحيى بن علي المنجم » .
[ 6 ] ف : « قهوة » .
[ 7 ] الدردي : ما رسب أسفل العسل والزيت ونحوهما من كل شيء مائع كالأشربة والأدهان .