هنا سائق واحد يسوق للمحاكمة عند الواحد الجبار ، فهل الشهيد أيضاً واحد وهناك شهودٌ من شاهديه القعيدين ، ومن نبيّه . . ومن أرضه وفضاءها !
علّها تعني هنا شاهد الشمال ، لأنها تعني أصحاب الشمال ، فليس لهم يمين حتى يشهد لهم قعيد اليمين أو شاهد اليمين ، فليس لأصحاب اليمين شمال حتى يشهد عليهم قعيد الشمال .
أو أن « شهيد » هنا تعني جنس الشهيد ، الشامل لسائر الشهداء ، كما يشمل قعيدي المتوسطين بين أصحاب الشمال وأصحاب اليمين ، فكلٌ يتلقى ما يلقى من صالح وطالح .
ترى وبعد لقيا الشهادة لأصحاب الشمال ، ماذا يرون ، وماذا يسمعون ؟ إنها كلمة النبهة القارعة :
« لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطانك فبصرك اليوم حديد » 50 : 22 .
آية فريدة غُرة ، تنبه الغافلين الشاردين الذين هم كانوا في غِرة ، فما هو « هذا » الذي كانوا منه في غفلة ، فكشف اللَّه عنهم يومذاك غطاء الغفلة ؟ .
في الحياة الدنيا أغطية تغفل الإنسان عن الآخرة ، وعن ملكوت أعماله وحقائقها ، وعن شهادات الشهود الذين يتلقون تلك الأعمال ، فطوع الهوى ، والإعراض عن الهدى تغطي عنهم وتغطيهم عن الحقائق الغيب ، الواقعية يوم الدنيا ، الظاهرة لمن ابصر بها ، الخفية لمن أبصر إليها : « يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون » ( 30 : 7 ) .
ان مثلث الغطاء في الحياة الدنيا ، ليس إلا عن الواقع فيها ، وإلا فلا غفلة ولا غطاء من غير الواقع فيها ، مهما وقع بعدها ، فليكن واقعاً فيها حتى تصدق الغطاء ، وترى الواقعة الآخرة واقعة في الدنيا ، حتى تصدق فيها الغطاء والغفلة عنها ؟ حقاً إنها واقعة بإحياء الموتى فيها فتصبح أحياءترى كما مضى : « وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج » : واقعة بآياتها الشواهد . والعتاد شهادة إلقاءها يوم يقوم الأشهاد .
فليس الرقيب العتيد - فقط - الملكان ، أو أن قعيداً منهما رقيب والآخر عتيد ، حيث النص « رقيب عتيد » لا ( رقيب وعتيد ) إذاً فكل منهما رقيب عتيد : كما هو يتلقى الأعمال في
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 35
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٥