وهنا بعدٌ رابع ل « لا يضركم » هو إضرار الإضلال ، فما دام المؤمن حفيظاً على إيمانه بما عنده من طاقات وإمكانيات فلا يخاف « من ضل » أن يضله عن سواء السبيل ، وهذا من أظهر الأبعاد بين كل المحتملات الثلاث سابقة ولا حقة حيث « لا يضركم » إخباراً وإنشاءً تنفي ضرّهم أنفسهم بما يختارون ميسّرين في الضرر لا مسيَّرين ، فحين لا تطبقون مسؤولية « عليكم أنفسكم » كما يجب كفاحاً ضد عراقيلهم ، فهم بإمكانهم أن يضروكم إضلالًا وسواه .
فحين يخاطَب الذين آمنوا ب « عليكم أنفسكم » ليس ليعنى منهم أن يُؤمنوا كأصل ، بل هو إستحكام عرى الإيمان لحد لا ينضَر المؤمن بما يضره الكافرون ، وهذه - إذاً - نظيرة : « إن الساعة آتية أكاد أخفيتها لتجزى كل نفس بما تسعى . فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع سواه فتردى » ( 20 : 16 ) حيث يعين النهي عن الصدِّ الأمرَ باستحكام العقيدة والعملية لصالح يوم الحساب لحد لا يستطيع الكافرون به أن يصدوك عن الساعة عقيدياً أو عملياً .
وهكذا يؤمر المؤمنون بإحكام عرى الإيمان في « عليكم أنفسكم » أن يصبحوا سداً حصيناً مكيناً أميناً لا تضره - على أشده - أية محاولة كافرة ، فإنهم « أشداء على الكفار رحماء بينهم » حيث تعني « رحماء بينهم » تعاملهم في كافة الرحمات ، لكي يصبحوا أشداء الكفار في كافة العرقلات .
إذاً « لا يضركم » تعني كأول محتمل وأقواه ضرَّهم أنفسهُم بما يختارون ضد المؤمنين ، لا الضر الموجه إليهم عقاباً من اللّه فإنه هو ضره عدلًا وليس ضرهم عداءً ! .
ذلك ، فأقوى المحتملات هوتحقيق « عليكم أنفسكم » لحدَّ « لا يضركم من ضل إذا اهتديتم » : ذلك الاهتداء الصارم الذي يصد عنكم كل اعتداء عارم ممن ضل ، حيث الضالون الصامدون في ضلالهم يحاولون على طول الخط أن يضروكم كما يستطيعون « 1 »
هامش
( 1 ) ) وهكذا يعني ما يروى « حب علي حسنة لا يضر معها سيئة » أي ان حبه يدفع عن السيئة