أنفسهم أنهم السابقون ؟ « فأتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا » ( 59 : 2 ) « وبدالهم من اللّه مالم يكونوا يحتسبون » ( 39 : 47 ) ، فهم أرادوا أن يبخسوا الحق وأهله ، فبُخسوا وخسر هنالك المبطلون .
أو انه التغابن بين الأخيار والأشرار ، إذ يحاول الشرِّير غبن الخيِّر ، ويخفي عليه خيره وشرّ نفسه ، فيحسب أنه يحسن صنعاً ، ثم يوم القيامة يظهر الخافي من أمر هما ؟ : « وقالوا ما لنا لا نرى رجالًا كنا نعدُّ هم من الأشرار . اتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار . إن ذلك لحق تخاصم أهل النار » ( 38 : 64 ) ، وكأنما الفريقان كانا متعاقدين ومتبايعين ، المؤمنون ابتاعوا دار الثواب ، والكافرون اعتاضوا منها دار العقاب ، فتفاوتوا في الصفقة ، وتغابنوا في البيعة ، فكان الربح مع المؤمنين ، والخسران مع الكافرين .
أقول : كلٌ محتمل ، والجمع أجمل ، مهما كان الغبن من اللّه والمؤمنين حقاً ، ومن الكافرين باطلًا ، ولكن الكل مباخسة على خفاء ، خفاء المبطل حيلة وغيلة ، وخفاء المحق نتيجة كفر المبطل ، أو جزاء كفره : غبناً بغبن جزاءً وفاقاً .
وقد تلمح الآية نفسها بالتغابن الأخير في تقسيمها الثنائي « ومن يؤمن باللّه . . والذين كفروا . . » فحياة الإيمان والكفر مغابنة ، فان حالة الكافر المريحة المَرحِة تغبن ضعفاء الإيمان ، وحياة المؤمن الملتوية الصعبة تغبن حمقاء الكفر والطغيان ، ثم تظهر حقيقة الأمر في الحياتين يوم التغابن .
وقد يزعم الكفار أن المؤمنين الذين خلطوا عملًا صالحاً وآخر سيئاً ، سوف يدخلون النار كما هم يدخلون ، فهم يغتنمون مزيد الكفر والطغيان ، ويسخريون من هؤلاء المؤمنين الضعفاء : ماذا يفيدكم هذا الإيمان ، وأنتم كأمثالنا من أهل النار ؟
فالجواب : « ومن يؤمن باللّه ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً » و « صالحاً » تعني كبائر الصالحات وترك كبائر الطالحات : « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر فنكم سيئاتكم » « إن الحسنات يذهبن
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 291
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٩١