تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
بتصميم عليه ، وإيمان ثان بعد جديد يتبنَّى ذلك التقوى ، ثم تقوى في الصميم بعد التصميم فإن من التصميم ما هو غير صميم ، وأخيراً « أحسنوا » إحساناً لمراتب الإيمان وعمل الصالحات والتقوى ، مما يدل على غلظ الحرمة في الخمر وأخواتها حيث يبقى جناحها لولا هذه التقيات . ومن هنا نتبين أن هذه المذكورات في هذه الآية كانت محرمة طول العهد الرسولي مكياً ومدنياً ، ولم تكن لأحد عاذرة في شرب الخمر واقتراف أخواتها ، فإن كرور الآيات هنا وهناك مراراً وتكراراً كانت تمنع عنها بأشدَّه مهما اختلفت صيغ التحريم ، حتى وصلت إلى ذلك التهديد الحديد « فهل أنتم منتهون » مهما لم تنهوا طوال كرور الآيات المذكرات الناهيات بمختلف التعبيرات . وهنا « ما طعموا » تعم طعم عوائد الميسر وذبائح الأنصاب ولاأزلام إلى طعم الخمر ، حيث الشرب طعمٌ مهما لم يكن كلُّ طعمٍ شرباً ، وكما في مثل « ومن لم يطعمه إنه مني » فالعبارة الصالحة لجامع شرب الخمر وطعم الثلاثة الأخرى هي « طعموا » . ف « لا جناح » هنا وجاه « فهل أنتم منتهون » هناك تبيِّن كبيرة عدم الانتهاء ، والعفوَ عن المنتهين بتلك الشروط المسرودة التي لا نظيرة لها في شروطات التوبة في سائر الكبائر ، ما يدل على أن هذه الأربعة هي من الكبائر . ذلك ، فليس نفي الجناح هنا فيما طعموا تحليلًا للمحرمات قضيةَ أنهم آمنوا وعملوا الصالحات واتقوا وأحسنوا ، فإن قضيتها - وبهذه التأكيدات المتكررة - ترك المحرمات دون إقترافها حيث القضية لا تحمل نقيضها ، فإنما ينفى الجناح عن المؤمنين الصالحين شرطَ أن يكفرِّوا عما طعموا فيما سبق من حرام إذا طعموه ، أم يتركوه مهما لم يطعموه ، تحليلًا للمأكولات المحللة ككل ، وتوبة على الذين أكلوا محرمات ثم تابوا هكذا توبة نصوح « 1 » .
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 3 : 321 - اخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن محارب بن دثار أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله شربوا الخمر بالشام فقال لهم يزيد بن أبي سفيان شربتم الخمر ؟ فقالوا : نعم ، لقول اللّه « ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا . . . » فكتب فيهم إلى عمر فكتب إليه إن أتاك كتاب هذا نهاراً فلا تنظر بهم الليل وإن اتاك ليلًا فلا تنتظر بهم النهار حتى تبعث بهم إليّ لا يفتنوا عباد اللّه فبعث بهم إلى عمر فلما قدموا على عمر قال : شربتم الخمر ؟ قالوا : نعم فتلا عليهم : « انما الخمر والميسر . . . » قالوا : اقرأ التي بعدها « ليس على الذين آمنوا . . . » قال : فشاور فيهم الناس فقال لعلي ما ترى ؟ قال : أرى أنهم شرعوا فيدين اللّه ما لم يأذن به اللّه فان زعموا انها حلال فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم اللّه وان زعموا انها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 293 | الشيخ محمد الصادقي الطهراني