ومن ثم يصاحب نورَهم بين الأيدي والأيمان بشرى جنة الخلود والفوز العضيم على ضوء النور الذي التمسوه يوم الدنيا ، وتممه اللّه في الأخرى : « بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم » .
فهذا دور المؤمنين ، فما هو إذاً دور المنافقين ؟ إنه النكسة وظلمة الركسة : « يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلّذينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالَتمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فيهِ الرّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ » 57 : 13
هناك المؤمنون والمؤمنات في منظر طريف ظريف ، وهنا المنافقون والمنافقات في منظر هائل عنيف ، في حيرة الضلاة ومَهانة الإهمال ، متعلقين بأذيان المؤمنين والمؤمنات قائلين :
« انظروا نا نقتبس من نوركم » وأنّى لهم الإقتباس ، ولات حين مناص ، من الظلمات التي عاشوها حياتهم ! .
وترى ما هذه النظرة التي يلتمس منها قبسات النور ؟ إنها ليست نظرة البصر فإنها غير مفيدة ، وهي حاصلة في حوارهم ، وإنما هي نظرة البصيرة المتأملة الشفيعة إلى اللّه أن يُقبسهم من نورهم ، لذلك لم تعد ب ( إلى ) المؤدية معنى نظر البصر : « انظرونا » : تأمَّلونا لهذه البغية ، وليس مجرد التأمل ( في ) : « أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم » ( 30 : 9 ) . ( ولا نظر الانتظار : « وجوه يومئذٍ ناضرة ، إلى ربها ناظرة » ( 75 : 23 ) اللهم إلا انتظارهم ليلحقو هم إلى الجنة على نور هم كما هم مسرعون ، وأنَّى لهم وهم مظلمون مبطئون ! .
أو انتظار الشفاعة لمن ينظرونهم أمل الشفاعة ، ولكنه أيضاً النظر ( إلى ) وهنا النظر « انظرونا » فهو نظر يفيد الاقتباس من ذلك النور .
وقد التمسوا محالًا فأجيبوا بمحال مضاعف : « قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً » فليس هذا النور بالذي يلتمس هنا ، ولا بالذي يقتبس من أهل النور هنا ، وإنما يُلتمس « وراءكم »
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 264
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٦٤