نظروا إلى ظاهرٍ منه و ( ومن ابصر إليها اعمته ) « يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون » - ( 20 : 7 ) والدنيا هي الدنيا والسور هو السور ، وإنما اختلفوا وافترقوا في مفترق النظر بحديد البصر ، ففريق في الجنة وفريق في السعير .
ف « باطنه فيه الرحمة » كما في باطن الحياة الدنيا الناحي منحى الرحمات لمن أبصر بها ، « وظاهره من قبله العذاب » كظاهر الحياة الدنيا لمن أبصر إليها ، فالحياة الدنيا في باطنها الرحمة ، وظاهرها من قِبَلها العذاب ، لا أنها العذاب أو فيها العذاب ، وإنما من قِبَلها وبسبها لمن يعلم ظاهراً منها ويجهل باطنها .
ومن لطيف التعبير « فضرب » ماضياً ، لا ( فيضرب ) مضارعا ، رغم استقبال الضرب ، مما يوحي أن هذا السور المضروب يوم الأخرى كان مضروباً من قبلُ يوم الأولى ، فليس سور الأخرى إلا استمرار الأولى في صورة أخرى ! ثم هذا السور حاجب الرؤية وليس حاجب الصوت لمكان الحوار والتنادي : « ينادونهم ألم نكن معكم » في سور الدنيا ، نعيش مع بعض ، ويساكن بعضنا البعض ، عشنا في صعيد واحد ، وحشرنا معكم في صعيد واحد ، فلماذا هذا الفراق بين الرفاق ؟ وقد كنا مسلمين ! .
« قالُوا بَلى وَلكِنّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرّتْكُمُ اْلأَمانِيّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللّهِ وَغَرّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ » ( 57 : 15 )
« قالوا بلى » : كنتم معنا معية الزمان والمكان وفي الإيمان ، وليست تفيد هذه المعية المادية الجوفاء ، إذا اختلفنا في معيةِ حقيقة الإيمان ، فمقائيس الأخرى تختلف عن الأولى اختلاف الحساب عن الفوضى .
« . . بلى » لا يفيد هنا ، و ( لا ) فيما يفيد : « ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر اللّه وغركم باللّه الغرور » .
لكنكم عشتم مربع الظلمات بدلًا عن مربع النور : فتنة الأنفس ، والتربص ، والارتياب ، والغرور ، وأين مربع الظلمات من مربع النور ! .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 267
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٦٧