يقولون ربنا أتمم لنا نورنا » ( 66 : 8 ) . « 1 » نور يلتمس سعياً في الحياة الدنيا ، ومع اختصاصها بأصحابها قد يشفعون من يليق بها أن ينظروا إليهم في الأخرى : « . . انظرونا نقتبس من نور كم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً » .
إن سائر الأنوار لا تختص بأصحابها ، فقد تُغتصب أو يُستفاد منها دون علم أو رضى أصحابها ، يستنير منها الصديق أو العدو ، والمبؤمن والكافر ، وأما ذلك النور فمثله كنور البصير ، لا يبصر إلا لصاحبه در سعيه ، صادراً منه ووارداً اليه ، اللهم إلا شفاعة مرضية ، فهو برهان ربَّاني : « قد جاءكم برهان منربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً » ( 4 : 174 ) وهو إيمان ناتج عم ذلك البرهان : « أفمن شرح اللّه صدره للاسلام فهو على نور من ربه » ( 39 : 22 ) وهو العمل الصالح الناتج عن الإيمان . ومن ثم هو نور الفرهان الناتج عن خالص الإيمان : ( إن تتقوا اللّه يجعل لكم فرقاناً ) ( 8 : 29 ) : مربع النور : ( نور على نور يهدي اللّه لنوره من يشاء ) ! . ترى ولماذا ( بين أيديهم وبأيمانهم ) دون سائر الجها الأربع أو الست ؟ . . لأن هذا النور غير سائر النور ، نور البصيرة وليس البصر ، وإن كان يهدي - فيما يهدي - البصر . ولأن طريق الجنة يُمنةو وِجاه ، وطريق النار يسرة ووراء ، وكما عن الرسول صلى الله عليه وآله : ( بينا أنا على حوضي أنادي هلم ، إذاً أناس أخذتهم ذات الشمال فاختلجوا دوني ، فأنادي ألا هلمَّ فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول سحقاً ) . « 2 » فلا نور لأصحاب الشمال لا وجاهاً ولا يمنة ، وإنما تأخذهم النار من ورائهم وذات الشمال .
وقد تختص « بين أيديهم » بالسابقين المقرَّبين ، الذين هم وجه بلا قفا ولا أية جهة أخرى إِلا وجه اللّه ، ومن ثم يتوجهون اليه ، ويتجهون إليه ، وستجهون إلى رحمته ورضوانه ، و « بأيمانهم » لأصحاب اليمين الذين هم وجه من وجه ، وإذا اتجهوا عن الأمام فإلى اليمين ، فإنه الدين ، وإن كان أدنى من المقربين .
هامش
( 1 )
. راجع سورة التحريم ج 28 - الفرقان .
( 2 ) . تفسيير روح البيان لإسماعيل حقي البروسي ج 9 ص 359 - 360 .