« فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فيهِ الرّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ » ( 57 : 14 )
تُرى ما هذا الحجاب ، وما هذا الباب ، وما هو باطن الرحمة وظاهر العذاب ؟ ؟
هل إنه حجاب الأعراف ؟ : « وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلّا بسيماهم . . » ( 7 : 46 ) قد يكون ، وليكن حجاباً دائباً لا يستطيع أصحاب النار اختراقه يمنة أو يسرة أو من علٍ ، فليكن سوراً دائرياً أو مثله ، لا طو لياً له جانبان منتهيان ، فإنهما له بابان ، فلا حاجة فيه إلى باب ، ولكنه « سور له باب » فالسور توحي بحجاب يحيط من الجوانب كلها ، فإنها الحائط المشتمل ، والباب - أياً كان - توحي أن أن لا سبيل إلى داخل السور منه ، اذاً فهي حائط محيط بأهل الجنة ومحاط بأهل النار ، والباب هذه بابها إلى الجنة ، فهي باب الرحمة ، وباطن السور فيه الرحمة : واقعها إذ يعيش أهلها النور ، وبشارتها ، إذ هم يخرجون من بابها إلى الجنة ، وظاهر السور « من قبله » قِبَل نفس السور « العذاب » واقعه إذ يعيش أهله الظلمات ، ومستقبله إذ يستقبلون فيه النار .
فلن يدخل السور ، ولن يقرب إلى باب السور ، إلا أهل النور ، وأما المظلمون فهم خارج السور ، ونائون عن بابا السور ، فالمؤمنون هم في مربع النور : معهم ، وفي السور ، ومن باب السور ، وإلى الجنة النور ، والمنافقون ومعهم الكافرون هم محرومون عن النور بما حرموا أنفسهم .
وهذا من الفصل بين المؤمنين وسواهم ، ثم هناك فصائل أخرى تفصل بينهم تلوَ بعض ، أو مع بعض حتى يتم الفصل ، حين استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، ثم لا ترائي ولا حوار .
وبما أن كل ما في الآخرة هو مثال لما في الدنيا ثواباً أو عقاباً ، جزاء وفاقاً ، فهذا السور المضروب بينهم في المحشر مثال عما ضرب بينهم يوم الدنيا ، سور الحياة الدنيا ، الذي حاول المؤمنون أن يبطنوه وينظروه عميقاً وبعيداً فبصّرهم : ( من أبصر بها بصرته ) وغيرهم
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 266
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٦٦