ثم هنا زيادة منقطعة النظير في كل آيات الشهادة هي « من أنفسهم وجئناك - ونزلنا » .
« مِن » في « من أنفسهم » كما تحتمل الجنس ، فالشهيد - اذاً - من جنس المشهود عليهم ، كذلك تحتمل النشوء والابتداء ، فهو إذاً ناشىء من أنفسهم ، والمعنيان معنيَّان حيث تحملان كافة الشهادات المسرودة في الذكر الحكيم ، فشهادة الأعضاء والأجواء والنبيين والكرام الكاتبين كلها ناشئة من أنفس المشهود عليهم ، دون اختلاق ، ولا بينة قابلة للكذب أو الخطاء ، ولا استماع أم رؤية دون حيطة علمية بحق الاعمال ، بل « من أنفسهم » طابق النعل بالنعل ، دون زيادة ولا نقصان .
ومن الشهداء مَن هم مِن جنس المشهود عليهم كنبيِّ كل أمة أو امامها ، فالإنس للإنس والجن للجن ، نبياً أو اماما كما تدل عليه آية البقرة « لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً » ( 143 ) وآية الحج : « ليكون الرسول عليكم شهيداً وتكونوا شهداء على الناس » ( 78 ) .
ثم سائر الشهداء كالكرام الكاتبين وان لم يكونوا من جنس المشهود عليهم ، ولكنهم ناشئون في شهاداتهم عن أنفس المشهود عليهم دون اي وسيط يحتمل الخطاء ، اللهم الا الوسيط الأصيل المعصوم العاصم وهو إشهاد اللّه وإحضاره لهم كل الحقائق الصادرة منهم دون إبقاء ، وأفضل من مجرد السماع والرؤية وأمتن ، حيث يحتملان الخطاء إذ قد يختلف المرئي والمبصر عن واقع الأمر ، خطأً من السمع والبصر ، أم خبأ الحقيقة عن المسموع والمبصر .
فتلك الشهادة الإلهية بإلقاة اللّه وبعثه ، هي بطبيعة الحال شهادة عاصمة كل ما يحصل ، معصومة عمالم يحصل ، وكلها مشمولة لاستنساخ اللّه : « وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تُجزون ما كنتم تعملون . هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون » ( 45 : 29 ) .
إذ « وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 186
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٨٦