عرف نفسه فقد عرف ربه ) وخاسر - كذلك - حياته الإِنسانية التي خلق لأجلها ، فقد وجد نفسه حيواناً شَرِساً حَرِصاً على الحَيونات والشهوات ، فهو منغمس فيها ، تارك ما تعنيه الفطرة والعقلية السليمة من عنايات إنسانية على ضوء عنايات ربانية .
أجل فالخاسر نفسه خاسر كل موازين الإِنسانية عن بكرتها ، والواجد نفسه واجد لموازينها في مجالتها الواسعة الفاسحة ، فاحصة عما يجعلها وزينة متينة ، فخسران النفس هو أساس كل خسران ووجدانها هو أساس كل وجدان .
ذلك ، فلنجدّ المسير إلى مصير الحق ليكون لنا وزناً و ( إني أحذركم ونفسي هذه المنزلة ، فلينتفع امرءٌ بنفسه ، فإنما البصير من سمع فتفكر ، ونظر فأبصر ، وانتفع بالعِبَر ، ثم سالك جدداً واضحاً يتجنب فيه الصَرعة في المهاوي ، والضلال في المغاوي ، ولا يعين على نفسه الغواة بتعسّف في حق ، أو تحريف في نطق ، أو تخوف من صدق -
فأفِق أيها السامع من سكرتك ، واستيفظ من غفلتك ، واختصر من عجلتك ، وأنِعم الفكر فيما جاءك على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وآله مما لا بد منه ، ولا محيص عنه ، وخالِف من خالف ذلك إلى غيره ، ودعه وما رضي لنفسه ، وضَع فخرك ، واحطط كبرك ، واذكر قبرك ، فإن عليه ممرُّك ، وكما تَدين تُدان ، وكما تزرع تحصَد ، وما قدمت اليومَ يقدَم عليك غداً ، فامهَد لقدَمك ، وقدَّم ليومك ، فالحذر الحذر أيها المستمع ، والِجدَّ الجِدَّ أيها الغافل « ولا ينبئك مثلُ خبير » - إن من عزائم اللَّه في الذكر الحكيم التي عليها يثيب ويعاقِب ، ولها يرضى ويسخط ، إنه لا ينفع عبداً - وإن أجهد نفسه وأخلص فعله - أن تخرج من الدنيا لاقياً ربه بخصلة من هذه الخصال لم يتب منها : أن يشرك باللَّه فيما افترض عليه من عبادته ، أو يشفي غيظه بهلاك نفسه ، أو يُغرَّ بأمر فعله غيره ، أو يستنجح حاجة بإظهار بدعة في دينه ، أو يلقى الناس بوجهين ، أو يمشي فيهم بلسانين ، أعقِل ذلك فإن المَثَل دليل على شِبهه . . ) ( الخطبة 152 ) .
فيا ( عباد اللَّه ! زنوا أنفسكم من قبل أن توزَنوا ، وحاسبوها من قبل أن تُحاسَبوا ،
و
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 120
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٢٠