ولكن يمكن الايراد عليه أولا : بعدم تمامية دلالة تلك الروايات على حرمة التكلم ووجوب الانصات ، كما مرّ البحث فيها .
وثانيا : على فرض قبول دلالتها على حرمة التكلّم ووجوب الانصات ، فهي معارضة بالأخبار الدالّة على الجواز .
وثالثا : انّ حرمة التكلم لا تلازم وجوب الاستماع ، لعدم كونهما نقيضين حتى يلزم من نفي أحدهما إثبات الآخر ، لامكان ارتفاعهما ، إذ من الممكن أن لا يتكلّم الحاضر في خطبة صلاة الجمعة ولا يستمع الخطبة أيضا .
الرابع : من الوجوه الدالّة على وجوب الاصغاء حكم الشرع بوجوب الخطبة والوعظ والانذار والوصية بالتقوى ، ووجوب إسماع الخطبة على الخطيب ، وذلك يستلزم وجوب الاستماع والاصغاء على الحاضرين ، والّا يلزم لغوية ذلك الحكم وتشريعه .
أقول : أولا : يمكن رفع محذور اللّغوية بانّ غرض الشارع يحصل حتى مع عدم إيجاب الاستماع على الحاضرين ؛ لأنّ الاستماع للخطيب والمتكلم عند الحضور في المجالس التي اعدّت للوعظ والخطابة يكون من دأب المسلمين ، ولهذا نرى في مجالس الوعظ انّ الحاضرين يتوجّهون ويستمعون إلى كلمات الواعظ والخطيب مع علم الحاضرين بعدم وجوب ذلك عليهم .
بل هذه الروّية متداولة في غير المسلمين من سائر الملل ، وشيوع تلك السيرة يكيون بحيث يتخيّل انّه أمر ارتكازي للبشر ، لأنّ اللّه سبحانه وتعالى خلق الانسان كاسبا طالبا محبّا لتحصيل المجهولات ، والاطلاع على الأمور والأوضاع والحوادث الواقعة في العالم ، ويتفاوت هذا الحبّ في الانسان شدة وضعفا بحسب أهميّة المجلس والمتكلّم وما يتكلّم فيه ، فكلما زادت هذه الأمور كمية وكيفية زاد حبّ المستمعين للتوجّه والاستماع .
والآن يمكننا أن نصل إلى معرفة الحكمة لحكم الشرع بانّ صلاة الجمعة
رسالة في وجوب صلاة الجمعة — صفحة 101
مساهمون: الشيخ عبد النبي النمازي
ص١٠١