الوهم لا يدرك إلّا المعاني الجزئيّة ، وهذا الوجود و الموجود ليس بكلّيّ ولا جزئيّ ، ولا كلّ ولا جزء ؛ بل الكلّي به صار كلّيّاً ، والجزئي به صار جزئيّاً ، وكذلك الكلّ وعنهما من القيود والإضافات .
وإن شئت ازدياد البصيرة تقرير المرام على طور آخر نقول : غير خفيّ أنّ لجميع الموجودات ممّا سوى الحقّ - تعالى شأنه العليّ - جهة اتّحاد واشتراك ، وجنبيه خلاف واختلاف ؛ فاتّحادها واشتراكها في الكلّيّات التوصيفيّة والنوعيّة ، والجنسيّة والجنسيّات ، كذلك إلى أن ينتهي تلك الأفراد والأصناف والأنواع والأجناس إلى جنس الأجناس ، مثلًا أشركَت الأفراد الفرسيّة في الصورة الجنسيّة الحيوانيّة ، ثمّ الأفراد الحيوانيّة في الصورة الجنسيّة النامية ، ثمّ الأفراد النامية في الصورة الجنسيّة المطلقة على اصطلاح أهل المنطق والميزان ؛ فأفراد كلّ جنس بينها اشراك واتّحاد في جنسه القريب ؛ وأمّا اختلافها فمن فصلها القريب ، و من البيّن أنّ الأشخاص والأصناف والأنواع والأجناس وكذلك الفصول والأعراض والخواصّ - التي قامت بها الموجودات الجزئيّة ، وتحقّقت بها مادّة وصورة - تنتهي كلّاً [ و ] جزءاً إلى جنس الأجناس ، الذي ليس فوقه مساس « 1 » ولا إحساس ؛ إذ ليس وراء عبّادان قرية ، « 2 » أو الأشخاص ينتهي بالأصناف ، والأصناف بالأنواع ، والأنواع بالأجناس ، والأجناس بجنس الأجناس ، وكذلك الفصول بالاصول ، والاصول بالكلّيّات ، والكلّيّات أي الأجناس المنتهية بجنس الأجناس ، وكذلك البواقي ممّا ذكرت وممّا لم يذكر .
و جنس الأجناس هذا عار [ عن ] جميع تلك القيود التي قلنا من الشخصيّة والصنفيّة ، والنوعيّة والجنسيّة ؛ وإلّا لم يكن لها جزء ، ولا بالنسبة إليها كلّيّاً ؛ فأنت إذا
هامش
( 1 ) . مساس مصدر لا اسم ، ويقال : لا مساس ، أي لا مماسّة ؛ وفي قوله تعالى : « أن تقول لا مساس » . راجع : لسان العرب ، ج ، ص 219 .
( 2 ) . عبادان - بفتح العين أو الضمّ ، وعلى صيغه التثنية - بلد على بحر فارس بقرب البصرة شرقاً ، وعن الصنعاني : جزيرة أحاط بها شعبتا دجلة ؛ والعبارة تمثيل في لغة العرب ، يراد منه غاية المسير . راجع : المصباح ، ص 389 ؛ مجمع البحرين ، ج 3 ، ص 96 .