وقال صاحب الوافي رحمه الله في معنى هذا الحديث :
إن كان الإيمان عبارة عن المعرفة من جهة الرؤية ، فالمعرفة الاكتسابية ليست بإيمان ؛ لأنّها ضدّه ؛ فانّا قد اكتسبنا علماً بأنّ اللَّه ليس بجسم ولا صورة ولا محدود ولا محصور في جهة ولا مكان ولا زمان ، وأنّه حاضر عندنا ولا نراه بهذه الأعين مع صحّة أعيننا وجامعيّتها لشرائط الرؤية .
و ظاهر أنّ هذا ضدّ لمعرفته من جهة الرؤية بهذه الأعين .
وإن كان الإيمان عبارة عن المعرفة الاكتسابية ، فلا يخلو إمّا أن تزول عند رؤيته سبحانه في الآخرة أو لا تزول ، ولايجوز أن لا تزول لأنّها ضدّان فكيف يجتمعان .
ولا يجوز أيضاً أن تزول ؛ لأنّ الفرض أنّ الإيمان عبارة عن هذه المعرفة ، وأنّ هذا العلم من جملة أركان الإيمان والاعتقاد الصحيح باللَّه جلّ ذكره وأنّه كذلك .
و ظاهر أنّ الاعتقاد الصحيح لا يزول في الآخرة ، فمعرفته من جهة الرؤية ليست بصحيحة ، فلا يجوز أن يرى اللَّه سبحانه به حال . « 1 »
أقول : يلوح من هذا الكلام أنّه حمل قول الإمام عليه السلام « لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الاكتساب أن تزول » على الترديد ، كما أنّ قوله عليه السلام « ثمّ لم تخل تلك المعرفة من أن تكون إيماناً أو ليست بإيمان » صريح في الترديد ، إلّاأنّ شقّي الترديد مذكوران ثمّة ، وهنا أحد شقّيه مذكور ، والآخر محذوف ؛ مع دليل بطلانه بقرينة قوله عليه السلام : « لأنّها ضدّه » وتقدير هكذا وإن كانت المعرفة الاكتسابية إيماناً لم تخل هذه المعرفة أن تزول ، والحال أنّها لا تزول في المعاد أو لا تزول ، ولابدّ أن تزول لحدوث ضدّها .
ولايخفى أنّه حمل بعيد .
والظاهر أنّ المراد إلزام زوال المعرفة الاكتسابية عند الرؤية به حكم التضادّ ، والحال أنّه لا يجوز زوالها في المعاد ، كما فهم الشارح المازندراني أيضاً حيث قال في شرح قوله عليه السلام : « لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الاكتساب أن تزول » .
أي لابدّ من أن تزول في المعاد ؛ لاستحالة اجتماع المعرفة الضرورية التي من جهة
هامش
( 1 ) . الوافي ، ج 1 ، ص 380 - 381 .