تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغاني — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
قتل أحيحة ، ففطن أحيحة أنه يريد قتله فخرج من عنده فدخل خباءه ، فشرب الخمر ، وقرض أبياتا ، وأمر القينة أن نغنّيه بها ، وجعل تبّع عليه حرسا ، وكانت قينته تدعى مليكة فقال :
يشتاق قلبي إلى مليكة لو أمست قريبا ممن يطالبها
الأبيات . وزاد فيها مما ليس فيه غناء :
لتبكني قينة ومزهرها ولتبكني قهوة وشاربها ولتبكني ناقة إذا رحلت وغاب في سردح مناكبها [ 1 ] ولتبكني عصبة إذا جمعت لم يعلم الناس ما عواقبها [ 2 ]
فلم تزل القينة تغنّيه بذلك يومه وعامّة ليلته [ 3 ] ؛ فلما نام الحرّاس قال لها : إنّي ذاهب إلى أهلي فشدّي [ 4 ] عليك الخباء ، فإذا جاء رسول الملك فقولي له : هو نائم ؛ فإذا أبوا إلَّا أن يوقظوني فقولي : قد رجع إلى أهله وأرسلني إلى الملك برسالة . فإن ذهبوا بك إليه فقولي له : يقول لك أحيحة : « اغدر بقينة أو دع » . ثم انطلق فتحصّن في أطمه [ 5 ] الضّحيان ، وأرسل تبّع من جوف الليل إلى الأزياد فقتلهم على فقارة من فقار [ 6 ] تلك الحرّة . وأرسل إلى أحيحة ليقلته ، فخرجت إليهم / القينة ، فقالت : هو راقد . فانصرفوا وتردّدوا عليها مرارا ؛ كلّ ذلك تقول : هو راقد . ثم عادوا فقالوا : لتوقظنّه أو لندخلنّ عليك . قالت : فإنه قد رجع إلى أهله ، وأرسلني إلى الملك برسالة . فذهبوا بها إلى الملك ، فلما دخلت عليه سألها عنه ، فأخبرته خبره ، وقالت : يقول لك : « اغدر بقينة أو دع » . فذهبت كلمة أحيحة هذه مثلا ؛ فجرّد له كتيبة من خيله ، ثم أرسلهم في طلبه فوجدوه قد تحصّن في أطسه ، فحاصروه ثلاثا ؛ يقاتلهم بالنّهار ويرميهم بالنبل والحجارة ، ويرمي إليهم بالليل / بالتمر ، فلما مضت الثلاث رجعوا إلى تبّع فقالوا : بعثتنا [ 7 ] إلى رجل يقاتلنا بالنهار ، ويضيفنا بالليل ! فتركه ؛ وأمرهم أن يحرّقوا نخله . وشبّت الحرب بين أهل المدينة : أوسها وخزرجها ويهودها ، وبين تبّع ، وتحصّنوا في الآطام . فخرج رجل من أصحاب تبّع حتى جاء بني عديّ بن النجّار ؛ وهم متحصّنون في أطمهم ، الذي كان في قبلة مسجدهم ، فدخل حديقة من حدائقهم ، فرقي عذقا منها يجدّها [ 8 ] ، فاطَّلع إليه رجل من بني عديّ بن النجار من الأطم يقال له أحمر أو صخر [ 9 ] بن سليمان من بني سلمة ، فنزل إليه فضربه بمنجل حتّى قتله ثم ألقاه في بئر ! وقال : جاءنا يجدّ نخلنا [ 10 ] ، « إنّما النخل لمن أبره » [ 11 ] ، فأرسلها مثلا . فلما انتهى ذلك إلى تبّع زاده حنقا وجرّد إلى بني النجّار جريدة من خيله [ 12 ] ؛ فقاتلهم بنو النجّار
هامش
[ 1 ] السردح : الأرض اللينة المستوية . ط ، ح : « سرنج » . والسرنج : الأرض الواسعة . [ 2 ] ط ، مب ، مط : « إذا اجتمعت » . [ 3 ] ط ، مب ، مط : « عامة ليله » . [ 4 ] ما عدا ط ، مب ، مط : « فسدى » بالسين المهملة . [ 5 ] الأطم : حصن مبني بحجارة ، وهو القصر أيضا . [ 6 ] هذا ما في ح ، مب ، مط . وفي ط : « فقرة من فقار » ، وهي صحيحة أيضا ، مشبهتان بفقار الظهر . وفي سائر النسخ : « قفارة من قفار » ، تحريف . [ 7 ] ما عدا ط ، مب ، مط : « تبعثنا » . [ 8 ] العذق : النخلة ، عند أهل الحجاز . يجدها : يقطع تمرها . ما عدا ط ، مب ، مط ، ح : « يجده » ، التذكير للفظ والتأنيث للمعنى . [ 9 ] ط : « صحر » بالحاء المهملة . [ 10 ] ما عدا ط ، مب ، مط : « نخلتنا » . [ 11 ] الأبر والتأبير : إصلاح النخل وتشذيبه . [ 12 ] الجريدة من الخيل : القطعة منها عليها فرسانها .