كان رجل من أهل البصرة يدخل بين حمّاد وبشّار على اتفاق منهما ورضا بأن ينقل إلى كلّ واحد منهما وعنه الشّعر ، فدخل يوما إلى بشّار فقال له : إيه يا فلان ، ما قال ابن الزانية فيّ ؟ فأنشده :
إن تاه بشّار عليكم فقد
أمكنت بشّارا من التّيه
/ فقال بشّار : بأيّ شيء ويحك ؟ فقال :
وذاك إذ سمّيته بآسمه
ولم يكن حرّ يسمّيه
فقال : سخنت عينه [ 1 ] ، فبأي شيء كنت أعرف ؟ إيه ، فقال :
فصار إنسانا بذكري له
ما يبتغي من بعد ذكريه ؟
فقال : ما صنع شيئا ، إيه ويحك ؟ فقال :
لم أهج بشّارا ولكنّني
هجوت نفسي بهجائيه
فقال : على هذا المعنى دار ، وحوله حام [ 2 ] ، إيه أيضا ، وأيّ شيء قال ؟ فأنشده :
أنت ابن برد مثل بر
د في النّذالة والرّذاله
من كان مثل أبيك يا
أعمى أبوه فلا أبا له
فقال : جوّد ابن الزانية ، وتمام الأبيات الأول :
لم آت شيئا قطَّ فيما مضى
ولست فيما عشت آتيه
أسوأ لي في الناس أحدوثة
من خطأ أخطأته فيه
فأصبح اليوم بسبّي له
أعظم شأنا من مواليه
/ أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال : حدّثنا عمر بن شبّة ، عن خلَّاد الأرقط قال : أنشد بشّارا راويته قول عجرد فيه :
دعيت إلى برد وأنت لغيره
فهبك ابن برد نكت أمّك من برد ؟
فقال بشار لراويته : هاهنا أحد ؟ قال : لا ، فقال : أحسن واللَّه ما شاء ابن الزانية .
/ أخبرني أحمد بن العباس العسكريّ قال : حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال : حدّثني محمّد بن يزيد المهلَّبي قال : حدّثني محمّد بن عبد اللَّه بن أبي عيينة قال : قال حماد عجرد لمّا أنشد قول بشّار فيه :
يا بن نهيا رأس عليّ ثقيل
واحتمال الرأسين أمر جليل
فادع غيري إلى عبادة ربّي
ن فإنّي بواحد مشغول
واللَّه ما أبالي بهذا من قوله ، وإنّما يغيظني منه تجاهله بالزندقة ، يوهم الناس أنه يظن أن الزنادقة تعبد رأسا ليظن الجهّال أنّه لا يعرفها ، لأن هذا قول تقوله العامّة لا حقيقة له ، وهو واللَّه أعلم بالزّندقة من ماني .
هامش
[ 1 ] سخنت عينه : نقيض قرّت ، دعاء عليه .
[ 2 ] في ب ، س : « وحوله دام » . والتصويب عن باقي الأصول .