و العِلمُ مِن نَواحِيهِ ، يَستَوحِشُ مِنَ الدُنيا و زَهرَتِها و يَستَأنِسُ بِاللَّيلِ و وَحشَتِهِ . و كانَ و اللهِ غَرِيزَ الدَّمعة ، طَوِيلَ الفِكرَة ، يحاسِب نَفسَهُ إذا خلا و يُقَلِّبُ كَفَّيهِ على ما مضى ، يُعجِبُهُ مِنَ اللِّباسِ القصيرُ و من المعاش الخَشِنُ ، و كانَ فينا كَأحَدِنا يُجِيبُنا إذا سَألناهُ و يُدنِينا إذا أتَيناهُ ، و نحن مَعَ تقريبه لنا و قربه منّا لا نُكَلِّمُهُ لِهَيبَتِهِ ، و لا نَرفَعُ أعيُننا إليه لِعَظَمَتِهِ ، فَإن تَبَسَّمَ فعن اللُّؤلُؤِ المَنظُومِ يُعَظِّمُ أهلَ الدِّينِ وَ يتحبَّب إلى المَساكِينَ ، لا يخاف القَوِىُّ ظُلمَه ، و لا يَيأسُ الضعيفُ مِن عَدلِهِ . فاقسم لَقَد رَأيتُهُ ليلة و قد مَثّل فى محرابه و أرخَى اللَّيلُ سِربالَه و غارَتْ نُجُومُهُ ، و دموعُه تتحادر عَلَى لِحيَتِهِ و هو يَتَمَلمَلُ تَمَلمُلَ السَّلِيمِ و يَبكِى بُكاءَ الحَزِينِ ، فَكَأنِّى الآنَ أسمَعُهُ و هُوَ يَقولُ : « يا دُنيا ! إلىَّ تَعَرَّضتِ أم إلَىَّ أقبَلتِ ؟ غُرِّى غَيرِى ! لا حانَ حِينُكَ ، قَد طَلَّقتُكِ ثَلاثًا لا رَجعَة لى فِيكِ ! فَعَيشُكِ حَقيرٌ و خَطَرُكِ يَسِيرٌ ، آهِ مِن قِلَّة الزّادِ و بُعدِ السَّفَرِ و قِلَّة الأنيسِ ! »
قالَ : فَوَكَفَتْ [ 1 ] عَينَا مُعاوِيَة و جَعَلَ يُنَشِّفُهُما بِكُمِّهِ ، ثُمَّ قالَ : يَرحَمُ اللهُ أبا الحَسَنَ كانَ كَذَلِكَ ! فَكَيفَ صَبرُكَ عَنهُ ؟ قالَ : كَصَبرِ مَن ذُبِحَ وَلَدُها فى حِجرِها ، لا تَرقَى [ 2 ] دَمعَتُها و لا تَسكُنُ عَبرَتُها . قالَ : كَيفَ ذِكرُكُ لَهُ ؟ قالَ : و هَل يَترُكُنِى الدَّهرُ أن أنساهُ ؟ انتهى . [ 3 ]
هامش
1 - و كف دمعُهُ : سال قليلًا قليلًا .
2 - رقىَ - صعد ، العبرهء : الدمعهء ، الحزن بالبكاء . و در نسخهء بيهقى در محاسن و مساوى لا ترقأ با همزهء لام الفعل است ، يعنى ساكن نمىشود ؛ رقأ الدمعُ : سكن .
3 - [ نقل شده است كه عدىّ بن حاتم پيش معاويه رفت . معاويه گفت : اى عدىّ كجا هستند طرفات ؟ ( يعنى سه فرزند عدىّ : طريف ، طارف و طرفه ) ، عدىّ پاسخ داد : در جنگ صفّين در ركاب على بن أبىطالب عليه السّلام به شهادت رسيدند . معاويه گفت : على با تو انصاف ننمود زيرا فرزندان ترا به جلو انداخت و فرزندان خود را در پشت لشگر محفوظ داشت . عدىّ گفت : بلكه من با على انصاف ننمودم زيرا او به شهادت رسيد و من هنوز زندهام .