هذا الذي ترى عن دينك . فقال له الكلبيّ : يا أمير المؤمنين ، ألم أقل لك : إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث . قال العلاء : ومكثت أياما ، ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف به والكلبيّ عنده ، إذ نزل من عنده وقد كان الولد حمله على برذون هملاج [ 1 ] أشقر من أفره ما سخّر ، فخرج على برذونه ذلك فمضى به في الصحراء حتى غاب عن العسكر ؛ فما شعر إلَّا وأعراب قد جاؤوا به يحملونه منفسخة عنقه ميّتا / وبرذونه يقاد حتى أسلموه .
فبلغني ذلك ، فخرجت متعمّدا حتى أتيت أولئك الأعراب ، وقد كانت لهم أبيات بالقرب منه في أرض البخراء لا حجر فيها ولا مدر ، فقلت لهم : كيف كانت قصّة هذا الرجل ؟ فقالوا : أقبل علينا على برذون ، فو اللَّه لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهته ، فعجبنا لذلك ؛ إذ انقضّ رجل من السماء عليه ثياب بيض فأخذ بضبعيه [ 2 ] فاحتمله ثم نكسه وضرب برأسه الأرض فدقّ عنقه ثم غاب عن عيوننا ؛ فاحتملناه فجئنا به .
قصة الخارجين عليه ومقتله
: وأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الخرّاز عن المدائنيّ قال :
لما أكثر الوليد بن يزيد التهتّك وانهمك في اللذّات وشرب الخمر وبسط المكروه على ولد هشام والوليد وأفرط في أمره وغيّه ، ملّ الناس أيامه وكرهوه . وكان قد عقد لابنيه بعده ولم يكونا بلغا ؛ فمشى الناس بعضهم إلى بعض في خلعه ، وكان أقواهم في ذلك يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ، فمشى إلى أخيه العباس - وكان امرأ صدق ولم يكن في بني أميّة مثله ، كان يتشبّه بعمر بن عبد العزيز - فشكا إليه ما يجري على الناس من الوليد ؛ فقال له : يا أخي ، إن الناس قد ملَّوا بني مروان ، وإنّ مشى بعضكم في أمر [ 3 ] بعض أكلتم ، وللَّه أجل لا بدّ أن يبلغه فانتظره . فخرج من عنده ومشى إلى غيره ، فبايعه جماعة من اليمانية الوجوه ؛ فعاد إلى أخيه ومعه مولَّى له وأعاد عليه القول وعرّض له بأنه قد دعي إلى الخلافة ؛ فقال له : واللَّه لولا أني لا آمنه عليك من تحامله لوجّهت بك إليه مشدودا ؛ فنشدتك اللَّه ألَّا تسعى في شيء من هذا . فانصرف / من عنده وجعل يدعو الناس إلى نفسه . وبلغ الوليد ذلك فقال يذكر قومه ومشى بعضهم إلى بعض في خلعه :
صوت
سلّ همّ النفس عنها
بعلنداة [ 4 ] علاة
تتّقي الأرض وتهوي
بخفاف مدمجات
ذاك أم ما بال قومي
كسروا سنّ قناتي
واستخفّوا بي وصاروا
كقرود خاسئات
هامش
[ 1 ] الهملاج : الحسن السير في سرعة وبخترة .
[ 2 ] الضبع : العضد والإبط ، يقال : أخذ بضبعيه أي بعضديه .
[ 3 ] في ب ، س ، ح : « في أثر » .
[ 4 ] العلنداة : الناقة الضخمة الطويلة . وناقة علاة الخلق أي طويلة جسيمة .