قال الواثق لحسين بن الضحّاك : قل الساعة أبياتا ملاحا حتى أهب لك شيئا مليحا ؛ فقال : في أيّ معنى يا أمير المؤمنين ؟ فقال : امدد طرفك وقل فيما شئت ممّا ترى بين يديك وصفه . فالتفتّ فإذا ببساط زهره قد تفتّحت أنواره وأشرق في نور الصبح ؛ فأرتج عليّ ساعة حتى / خجلت وضقت ذرعا . فقال لي الواثق : مالك ويحك ! ألست ترى نور صباح ، ونور أقاح ! فانفتح القول فقلت :
/
ألست ترى الصبح قد أسفرا
ومبتكر الغيث قد أمطرا
وأسفرت الأرض عن حلَّة
تضاحك بالأحمر الأصفرا
ووافاك نيسان [ 1 ] في ورده
وحثّك في الشّرب كي تسكرا
وتعمل كأسين في فتية
تطارد بالأصغر الأكبرا
يحثّ كؤوسهم مخطف
تجاذب أردافه المئزرا
ترجّل بالبان حتى إذا
أدار غدائره وفّرا
وفضّض في الجلَّنار [ 2 ] البها
ر والآبنوسة [ 3 ] والعبهرا [ 4 ]
فلمّا تمازج ما شذّرت
مقاريض أطرافه شذّرا
فكلّ ينافس في برّه
ليفعل في ذاته المنكرا
قال : فضحك الواثق وقال : سنستعمل كل ما قلت يا حسين إلا الفسق الذي ذكرته فلا ولا كرامة . ثم أمر بإحضار الطعام فأكل وأكلوا معه . ثم قال : قوموا بنا إلى حانة الشّطَّ فقاموا إليها ، فشرب وطرب ، وما ترك يومئذ أحدا من الجلساء والمغنّين والحشم إلا أمر له بصلة . وكانت من الأيام التي سارت أخبارها وذكرت في الآفاق . قال حسين : فلما كان من الغد غدوت إليه ؛ فقال : أنشدني يا حسين شيئا إن كنت قلته في يومنا الماضي ، فقد كان حسنا ؛ فأنشدته :
شعره في حانة الشط وقد شرب فيها مع الواثق
: صوت
يا حانة الشّطَّ قد أكرمت مثوانا
عودي بيوم سرور كالذي كانا
لا تفقدينا دعابات الإمام ولا
طيب البطالة إسرارا وإعلانا
ولا تخالعنا في غير فاحشة
إذا يطرّبنا الطَّنبور أحيانا
/ وهاج زمر زنام [ 5 ] بين ذاك لنا
شجوا فأهدى لنا روحا وريحانا
هامش
[ 1 ] نيسان : الشهر السابع من شهور السنة المسيحية .
[ 2 ] الجلنار : زهر الرمان . والبهار : نبت جعد له فقاحة صفراء تنبت أيام الربيع .
[ 3 ] الآبنوسة : شرب من الخشب إذا وضع على جمر بخر بخارا طيب الرائحة .
[ 4 ] العبهر : الياسمين والنرجس . وفي أ ، ء ، م : « والعنبرا » .
[ 5 ] زنام ( وزان غراب ) : زمار حاذق ، خدم كلا من الرشيد والمعتصم والواثق . وهو الذي أحدث الناي في زمن المعتصم ، فيقال ناي