فأجهد نفسي في الجوابات وأصرف عنايتي إليها على علمي [ 1 ] بأن الشاميّ بجهله لا يميّز بين الخطأ والصواب ، ولا يفرّق بين الابتداء والجواب . فلما طال ذلك عليّ حسدته وتنبّهت إلى إفساد حاله عندها . فسألته عن اسمها فقال :
« بصبص » . فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها جاءني به :
أرقصني حبّك يا بصبص
والحبّ يا سيّدتي يرقص
أرمضت أجفاني [ 2 ] بطول البكا
فما لأجفانك لا ترمص
وابأبي وجهك ذاك الذي
كأنه من حسنه عصعص
فجاءني بعد ذلك فقال لي : يا أبا عليّ ، جعلني اللَّه فداءك ، ما كان ذنبي إليك وما أردت بما صنعت بي ؟ فقلت له : وما ذاك عافاك اللَّه ؟ فقال : ما هو واللَّه إلَّا أن وصل ذلك الكتاب إليها حتى بعثت إليّ : إنّي مشتاقة إليك ، والكتاب لا ينوب عن الرؤية ، فتعال إلى الرّوشن [ 3 ] الذي بالقرب من بابنا فقف بحياله حتى أراك ؛ فتزيّنت بأحسن / ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع . فبينا أنا واقف أنتظر مكلَّما أو مشيرا إليّ إذا شيء قد صبّ عليّ فملأني من قرني إلى قدمي وأفسد ثيابي وسرجي وصيّرني وجميع ما عليّ ودابّتي في نهاية السّواد والنتن والقذر ، وإذا به ماء قد خلط ببول وسواد سرجين [ 4 ] ، فانصرفت بخزي . وكان ما مرّ بي من الصبيان وسائر من مررت به من الضحك والطَّنز [ 5 ] والصّياح بي أغلظ ممّا مرّ بي ؛ ولحقني من أهلي ومن في منزلي شرّ من ذلك وأوجع . وأعظم من ذلك أن رسلها انقطعت عنّي جملة . قال : فجعلت أعتذر إليه وأقول له : إنّ الآفة أنها لم تفهم معنى الشعر لجودته وفصاحته ، وأنا أحمد اللَّه على ما ناله وأسرّ الشّماتة به .
دعاه الحسن بن رجاء ودعاه ابن بسخنر فذهب له واعتذر للحسن
: أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون عن حسين بن الضحّاك قال :
كتب إليّ الحسن بن رجاء في يوم شكّ وقد أمر الواثق بالإفطار ، فقال :
/
هززتك للصّبوح وقد نهاني
أمير المؤمنين عن الصّيام
وعندي من قيان المصر عشر
تطيب بهنّ عاتقة المدام
ومن أمثالهن إذا انتشينا
ترانا نجتني ثمر الغرام
فكن أنت الجواب فليس شيء
أحبّ إليّ من حذف الكلام
قال : فوردت عليّ رقعته وقد سبقه إليّ محمد بن الحارث بن بسخنّر ووجّه إليّ بغلام نظيف الوجه كان يتحظَّاه ، ومعه ثلاثة غلمة أقران [ 6 ] حسان الوجوه ومعهم رقعة قد كتبها إليّ كما تكتب المناشير ، وختمها في أسفلها وكتب فيها يقول :
هامش
[ 1 ] في الأصول : « على أنّ علمي . . . إلخ » .
[ 2 ] الرمص بالتحريك : وسخ يجتمع في الموق .
[ 3 ] الروشن : النافذة .
[ 4 ] السرجين : الزبل الذي تدمل به الأرض .
[ 5 ] الطنز : السخرية .
[ 6 ] أقران : نظراء ، واحده قرن ( بالكسر ) .