وكيف كان ابتداؤه ، فقلت له : إني أشتهي أن أسمعه منك . فقال لي : دخلت على الحسن بن سهل في فصل الخريف وقد جاء وسميّ من المطر فرشّ رشّا حسنا ، واليوم في أحسن منظر وأطيبه ، وهو جالس على سرير آبنوس وعليه قبّة فوقها طارمة [ 1 ] ديباج أصفر وهو يشرف على بستان في داره ، وبين / يديه وصائف يتردّدن في خدمته وعلى رأسه غلام كالدّينار ؛ فسلَّمت عليه فردّ عليّ السلام ، ونظر إليّ كالمستنطق ؛ فأنشأت أقول :
ألست ترى ديمة تهطل
وهذا صباحك مستقبل
فقال : بلى . فقلت :
وتلك المدام [ 2 ] وقد شاقنا
برؤيته الشادن الأكحل
فقال : صدقت فمه ؛ فقلت :
فعاد به وبنا سكرة [ 3 ]
تهوّن مكروه ما نسأل [ 4 ]
فسكت . فقلت :
فإني رأيت له نظرة
تخبّرني أنه يفعل
/ ثم قال : مه ؛ فقلت :
وقد أشكل العيش في يومنا
فيا حبّذا عيشنا المشكل
فقال : العيش مشكل ، فما ترى ؟ فقلت : مبادرة القصف وتقريب الإلف . قال : على أن تقيم معنا وتبيت عندنا . فقلت له : لك الوفاء وعليك مثله لي من الشرط . قال : وما هو ؟ قلت : يكون هذا الواقف على رأسك يسقيني . فضحك ثم قال : ذلك لك على ما فيه . ودعا بالطعام فأكلنا وبالشراب فشربنا أقداحا . ولم أر الغلام ، فسألت عنه فقال لي : الساعة يجيء ، فلم نلبث أن وافاني ؛ فسألته أين كان ؟ فقال : كنت في الحمّام وهو الذي حبسني عنك . فقلت لوقتي :
/
وابأبي أبيض في صفرة
كأنه تبر على فضّه
جرّده الحمّام عن درّة
تلوح فيها عكن بضّه
غصن تبدّى يتثنّى على
مأكمة [ 5 ] مثقلة النّهضه
كأنما الرّشّ على خدّه
طلّ على تفّاحة غضّه
صفاته فاتنة كلَّها
فبعضه يذكرني بعضه
يا ليتني زوّدني قبلة
أو لا فمن وجنته عضّه
هامش
[ 1 ] الطارمة في الأصل : بيت من خشب كالقبة ، وهو دخيل أعجميّ معرّب . والمراد به هنا ستر رقيق من الديباج مظلل به الكرسي .
[ 2 ] رواية هذا البيت في « تجريد الأغاني » :وهذي العقار وقد راعنا
بطلعته الشادن الأكحل[ 3 ] كذا في ح و « تجريد الأغاني » . وفي سائر الأصول : « سكره » بالهاء المهملة .
[ 4 ] في « تجريد الأغاني » : « مكروه ما يبزل » . ولعل صوابه : « ما يبذل » بالذال .
[ 5 ] المأكمة : العجيزة .