سكن الأنام إلى إمام سلامة
عفّ الضمير مهذّب الأخلاق
فحمى رعيّته ودافع دونها
وأجار مملقها من الإملاق
حتى أتمّها . فقال له المعتصم : أدن منّي فدنا منه ؛ فملأ فمه جوهرا من جوهر كان بين يديه ، ثم أمره بأن يخرجه من فيه فأخرجه ، وأمر بأن ينظم ويدفع إليه ويخرج إلى الناس وهو في يده ليعلموا موقعه من رأيه ويعرفوا فعله . فكان أحسن ما مدح به يومئذ .
وممّا قدّمه أهل العلم على سائر ما قالته الشعراء قول حسين بن الضحّاك حيث قال :
قل للألى صرفوا الوجوه عن الهدى
متعسّفين تعسّف المرّاق
إني أحذّركم بوادر ضيغم
درب بحطم موائل الأعناق
متأهب لا يستفزّ جنانه
زجل الرّعود ولامع الإبراق
/ لم يبق من متعرّمين [ 1 ] توثّبوا
بالشأم غير جماجم أفلاق
من بين منجدل تمجّ عروقه
علق [ 2 ] الأخادع أو أسير وثاق
/ وثنى الخيول إلى معاقل قيصر
تختال بين أحزّة [ 3 ] ورقاق
يحملن كلّ مشمّر متغشّم
ليث هزبر أهرت الأشداق [ 4 ]
حتى إذا أمّ الحصون منازلا
والموت بين ترائب وتراق [ 5 ]
هرّت بطارقها هرير قساور
بدهت بأكره منظر ومذاق [ 6 ]
ثم استكانت للحصار ملوكها
ذلَّا وناط حلوقها بخناق [ 7 ]
هربت وأسلمت الصليب عشيّة
لم يبق غير حشاشة الأرماق
قال : فأمر له المعتصم لكل بيت بألف درهم ، وقال له : أنت تعلم يا حسين أنّ هذا أكثر ما مدحني به مادح في دولتنا . فقبّل الأرض بين يديه وشكره وحمل المال معه .
هامش
[ 1 ] كذا في « تجريد الأغاني » . والمتعرّمون : ذوو العرمة وهي الشراسة والحدّة في الخلق . وفي الأصول : « متعزمين » بالزاي وهو تصحيف .
[ 2 ] العلق : الدم . والأخادع : عروق في العنق .
[ 3 ] كذا في ح . والأحزة : جمع حزيز وهو الغليظ من الأرض . والرقاق : المستوية اللينة منها وفي سائر الأصول : « أجرة ودقاق » بالجيم والراء في الأولى والدال المهملة في الثانية .
[ 4 ] المتغشم : الغضوب . وهرت الأشداق : سعتها . والأسود توصف بذلك .
[ 5 ] الترائب : عظام الصدور وفوقها التراقي ، مفرده ترقوة .
[ 6 ] هرّت : صوّتت . والقساور : الشجعان والأعزة والأشداد من الرجال ، واحده قسورة . وبدهت : بغتت .
[ 7 ] الخناق : ما يخنق به من حبل أو وتر ونحوه .