تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغاني — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
سكن الأنام إلى إمام سلامة عفّ الضمير مهذّب الأخلاق فحمى رعيّته ودافع دونها وأجار مملقها من الإملاق
حتى أتمّها . فقال له المعتصم : أدن منّي فدنا منه ؛ فملأ فمه جوهرا من جوهر كان بين يديه ، ثم أمره بأن يخرجه من فيه فأخرجه ، وأمر بأن ينظم ويدفع إليه ويخرج إلى الناس وهو في يده ليعلموا موقعه من رأيه ويعرفوا فعله . فكان أحسن ما مدح به يومئذ . وممّا قدّمه أهل العلم على سائر ما قالته الشعراء قول حسين بن الضحّاك حيث قال :
قل للألى صرفوا الوجوه عن الهدى متعسّفين تعسّف المرّاق إني أحذّركم بوادر ضيغم درب بحطم موائل الأعناق متأهب لا يستفزّ جنانه زجل الرّعود ولامع الإبراق / لم يبق من متعرّمين [ 1 ] توثّبوا بالشأم غير جماجم أفلاق من بين منجدل تمجّ عروقه علق [ 2 ] الأخادع أو أسير وثاق / وثنى الخيول إلى معاقل قيصر تختال بين أحزّة [ 3 ] ورقاق يحملن كلّ مشمّر متغشّم ليث هزبر أهرت الأشداق [ 4 ] حتى إذا أمّ الحصون منازلا والموت بين ترائب وتراق [ 5 ] هرّت بطارقها هرير قساور بدهت بأكره منظر ومذاق [ 6 ] ثم استكانت للحصار ملوكها ذلَّا وناط حلوقها بخناق [ 7 ] هربت وأسلمت الصليب عشيّة لم يبق غير حشاشة الأرماق
قال : فأمر له المعتصم لكل بيت بألف درهم ، وقال له : أنت تعلم يا حسين أنّ هذا أكثر ما مدحني به مادح في دولتنا . فقبّل الأرض بين يديه وشكره وحمل المال معه .
هامش
[ 1 ] كذا في « تجريد الأغاني » . والمتعرّمون : ذوو العرمة وهي الشراسة والحدّة في الخلق . وفي الأصول : « متعزمين » بالزاي وهو تصحيف . [ 2 ] العلق : الدم . والأخادع : عروق في العنق . [ 3 ] كذا في ح . والأحزة : جمع حزيز وهو الغليظ من الأرض . والرقاق : المستوية اللينة منها وفي سائر الأصول : « أجرة ودقاق » بالجيم والراء في الأولى والدال المهملة في الثانية . [ 4 ] المتغشم : الغضوب . وهرت الأشداق : سعتها . والأسود توصف بذلك . [ 5 ] الترائب : عظام الصدور وفوقها التراقي ، مفرده ترقوة . [ 6 ] هرّت : صوّتت . والقساور : الشجعان والأعزة والأشداد من الرجال ، واحده قسورة . وبدهت : بغتت . [ 7 ] الخناق : ما يخنق به من حبل أو وتر ونحوه .