غنّه يا عمرو ؛ فقلت : يا أمير المؤمنين ، الشعر لحسين بن الضحّاك والغناء لسعيد بن جابر ؛ فقال : وما يكون ! غنّه فغنّيته ؛ فقال : اردده فرددته ثلاث مرات ؛ فأمر لي بثلاثين ألف درهم ، وقال : حتى تعلم أنه لم يضررك عندي .
قال : وسعيد بن جابر الذي يقول فيه حسين بن الضحّاك ، وكان نديمه وصديقه :
يا سعيد وأين منّي سعيد
مراثيه في الأمين
: ولحسين بن الضحّاك في محمد الأمين مراث كثيرة جياد ، وكان كثير التحقّق [ 1 ] به والموالاة له لكثرة أفضاله عليه وميله إليه وتقديمه إيّاه . وبلغ من جزعه عليه أنّه / خولط ؛ فكان ينكر قتله لمّا بلغه ويدفعه ويقول : إنه مستتر وإنه قد وقف على تفرّق دعاته في الأمصار يدعون إلى مراجعة أمره والوفاء ببيعته ضنّا به وشفقة عليه . ومن جيّد مراثيه إياه قوله :
صوت
سألونا أن كيف نحن فقلنا
من هوى نجمه فكيف يكون
نحن قوم أصابنا حدث الده
ر فظلنا لريبه نستكين
نتمنّى من الأمين إيابا
لهف نفسي وأين منّي الأمين
في هذه الأبيات لسعيد بن جابر ثاني ثقيل بالوسطى . وفيها لعريب خفيف ثقيل .
ومن جيّد قوله في مراثيه إيّاه :
أعزّى يا محمد عنك نفسي
معاذ اللَّه والأيدي الجسام
فهلَّا مات قوم لم يموتوا
ودوفع عنك لي يوم الحمام
كأن الموت صادف منك غنما
أو استشفى بقربك من سقام
أعجب المأمون ببيت من شعره وأجازه عليه بثلاثين ألف درهم
: أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفليّ قال قال لي محمد بن عبّاد : قال لي المأمون وقد قدمت من البصرة : كيف ظريف شعرائكم وواحد مصركم ؟ قلت : ما أعرفه ؛ قال : ذاك الحسين بن الضحّاك ، أشعر شعرائكم وأظرف ظرفائكم . أليس هو الذي يقول :
رأى اللَّه عبد اللَّه خير عباده
فملَّكه واللَّه أعلم بالعبد
قال : ثم قال لي المأمون : ما قال فيّ أحد من شعراء زماننا بيتا أبلغ من بيته هذا ؛ فاكتب إليه فاستقدمه ؛ وكان حسين عليلا وكان يخاف بوادر المأمون لما / فرط منه ؛ فقلت للمأمون : إنه عليل يا أمير المؤمنين ، علَّته تمنعه من الحركة والسفر . قال : فخذ كتابا إلى عامل خراجكم بالبصرة حتى يعطيه ثلاثين ألف درهم ؛ فأخذت الكتاب بذلك وأنفذته إليه فقبض المال .
هامش
[ 1 ] كذا في جميع الأصول ولعلها « التعلق » .