تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إني فاطمة وأبي محمد — صفحة 5

مساهمون:

ص٥
بعض هذه الطرق تنتهي إلى عائشة بنت أبي بكر، فإذاً هنالك طرق مختلفة متعددة متظافرة وآنئذ لا نحتاج إلى أن نروي بسند واحد عن فلان عن فلان عن فلان[7]. الثالثة: متن الخطبة يصحح سندها مما يذكر في هذا الاتجاه أننا نستطيع تصحيح السند بالمتن.. فلو أردنا أن نأخذ مثلاً القرآن الكريم والذي جاء به سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله، كان العامل الرئيس في إثبات أنه من الله عز وجل أنه كلام معجز من حيث المعنى ومن حيث الصياغة (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)[8]. وبالرغم من أن النبي كان عند الناس وخصوصا عند قريش صادقاً و أميناً ولكن الأساس الوثيق لهذا القرآن كان إعجاز القرآن معنىً و لغةً، فحتى الذي كان لا يعتقد بصدق النبي صلى الله عليه وآله لما يأتي ويعرض عليه القرآن بإعجازه يخضع له و يقتنع به[9]. وهذا الأمر ـ بنسبة من النسب ـ صادق في أخبار المعصومين عليهم السلام [10]، فإن لكل متكلم سبكا وصياغة خاصة للكلام، ومن خلاله يعرف أن هذا صحيح النسبة لفلان، أو غير صحيح، إن من السهل على العارفين بأساليب اللغة أن يميزوا مثلا بين شعر المتنبي وشعر نزار قباني! وما بين كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام وكلام غيره[11].. وتمت الاشارة إليه فعندما نخرج من الأمر القرآني إلى باقي النصوص، نجد أن بعض العلماء يقولون أن ما ورد من الأخبار عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله (إن على كل حقٍ حقيقةً وعلى كل صوابٍ نوراً فما جاءكم عني فاعرضوه على القرآن فما وافق القرآن فخذوه وما خالف القرآن فدعوه) هو أحد المقاييس التي يعرف بها العالم صحة وسقم الرواية، فإنه عندما نجد لغة رواية من الروايات متهالكة متهافتة، نقول هذه الرواية ليست عليها مسحة البلاغة النبوية، أو قد يكون معناها معنىً ضعيفاً ركيكاً، نقول هذا المعنى ليس من المعاني التي يطرقها النبي أو الإمام، وهذا مما ذكروه في نهج البلاغة، فإنه عندما حدث التشكيك في كون خطبه وكلماته لأمير المؤمنين عليه السلام ، كان أحد الأجوبة هذا الذي ذكرناه.
هامش
7 ) وقد صرح بذلك المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه أبو هريرة ص ١٣٩ فقال: السلف من بني علي وفاطمة يروى خطبتها في ذلك اليوم لمن بعده ومن بعده رواها لمن بعده، حتى انتهت إلينا يدا عن يد، فنحن الفاطميين نرويها عن آبائنا وآباؤنا يروونها عن آبائهم، وهكذا كانت الحال في جميع الأجيال إلى زمن الأئمة من أبناء علي وفاطمة ودونكموها في كتاب احتجاج الطبرسي وفي بحار الأنوار وقد أخرجها من اثبات الجمهور واعلامهم أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة وفدك بطرق وأسانيد ينتهي بعضها إلى السيدة زينب بنت علي وفاطمة وبعضها إلى الإمام أبي جعفر محمد الباقر، وبعضها إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن يرفعونها جميعا إلى الزهراء كما في ص 87 من المجلد الرابع من شرح النهج الحميدي، وأخرجها أيضا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني بالاسناد إلى عروة ابن الزبير عن عائشة ترفعها إلى الزهراء كما في ص 93 من المجلد الرابع من شرح النهج وأخرجها المرزباني أيضا كما في ص 94 من المجلد المذكور بالاسناد إلى أبي الحسين زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده يبلغ بها فاطمة عليها السلام، ونقل ثمة عن زيد أنه قال رأيت مشائخ آل أبي طالب يروونها عن آبائهم ويعلمونها أولادهم.. 8 ) سورة الإسراء: آية 88 9 ) ابن كثير، البداية والنهاية، ٣/ ٧٨ قال الوليد بن المغيرة المخزومي لما سمع من النبي بعض آيات القرآن : ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله ، وإنه ليعلو ولا يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته .. 10 ) عن الإمام الصادق عليه السلام: أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء 11 ) قال ابن ابي الحديد في سياق رده على زعم أن نهج البلاغة منحول للامام عليه السلام: لان من قد أنس بالكلام والخطابة، وشدا طرفا من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب، لابد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولد، وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء، أو لاثنين منهم فقط، فلا بد أن يفرق بين الكلامين، ويميز بين الطريقتين، ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده، لو تصفحنا ديوان أبى تمام، فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبى تمام ونفسه، وطريقته ومذهبه في القريض، ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه، لمباينتها لمذهبه في الشعر، وكذلك حذفوا من شعر أبى نواس شيئا كثيرا، لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه، ولا من شعره، وكذلك غيرهما من الشعراء، ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة. وأنت إذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماء واحدا، ونفسا واحدا، وأسلوبا واحدا، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الابعاض في الماهية، وكالقرآن العزيز، أوله كأوسطه، وأوسطه كآخره....)