السلام، وإن حاولوا.. ولا يمكن لهم أن يقولوا لا يهمنا كلام علي بن أبي طالب!! فهو في الحد الأدنى عندهم صحابي، وخليفة راشد! وإن حاولوا ذلك بالنسبة لفاطمة حيث قالوا هي معصومة والنساء عاطفيات تغلبهن المشاعر!!
المهم: أننا سوف نرى من القرائن ما يثبت انتساب الخطبة للسيدة الزهراء عليها السلام، من خلال ذكر عدة نقاط:
الأولى: هل البرهان العقلي يحتاج إلى سند لإثباته؟
بالرغم إجهاد بعض المخالفين نفسه للخدش في أسانيد الخطبة.. إلا أن بعض الباحثين يقولون: إننا لا نحتاج إلى سند للخطبة في شأن الاحتجاج وهو الأمر الذي استأسد الطرف الآخر لنفيه وذلك، لأن طريقة الاحتجاج والمناظرة لا تقوم على أساس النقول، والأخبار أو الأسانيد وإنما تقوم بشكل أساس على سلامة البرهان والدليل الذي يحتج به هذا الطرف أو ذاك! هذا هو قانون الاحتجاج والمناظرة والمحاكمة..
فإن برهان النظم ودلالته على التوحيد، ليس نابعا من أن الله قال(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)[3] وإنما لأن هذه المعادلة تامة، ومتى عرضتها على أي عقل سليم فإنه ينتهي إلى نفس النتيجة! أن وجود الالهة المتعددة نتيجته خراب الكون، فمادام الكون صالحا فلا بد أن لا يكون هناك آلهة وإنما هو إله واحد. وسواء جاء به القرآن أو لم يأت به، فهذا القانون صحيح وسليم.
والدليل الذي قام على عصمة النبي صلى الله عليه وآله من أنه لو لم يكن معصوما لكان ممكنا أن يخطئ ـ والعياذ بالله ويكذب ويرتكب المحرمات بل أن يكفر بالله ـ وفي هذا من نقض الغرض في رسالته ما هو واضح، بل لكان آحاد رعيته أفضل منه، ولكان عليه أن يتبعهم لا أن يتبعوه لو أذنب وهم غير مذنبين!
وهكذا عندما تناقش فاطمةُ الخليفة بأدلة قرآنية، وترد قوله ـ الذي تفرد بنقله ـ من أن الأنبياء لا يورثون أبناءهم، بآيات محكمات متعددة من القرآن الكريم تثبت فيها وراثة الآنبياء بعضهم من بعض وفيها اطلاق شامل للمال، بل لا معنى واضح غير المال إذ النبوة ليست مما يورث! وحتى لو جاءت لابن نبي فليس لأجل الوراثة! فكم من أبناء الأنبياء وآبائهم لم ينالوا نبوة؟ فإن هذا الاحتجاج ليس بمفتقر إلى أن يكون هناك سند له أو ليس له سند! وربما لهذا السبب ـ ولأسباب أخرى ـ ترك الطبرسي [4] في كتابه الاحتجاج الاعتماد على الأسانيد، وجاء بالوقائع مجردة عن الأسانيد.
إذن هذا هو الرأي الأول الذي يقوله بعض العلماء بأننا لا نحتاج أساساً في قضايا الاحتجاج والمناظرات والعقائد إلى سند وإنما نحتاج إلى نفس الدليل.
وربما لهذا السبب أثنى الإمام الصادق على كلام هشام بن الحكم، وحواره مع عمرو بن عبيد [5]، مع أنه لم يكن ـ بحسب الفرض ـ قد قرأه في كتاب أو نقله عن معصوم! فقد جاء هشام بن الحكم إلى الإمام
هامش
3 ) سورة الإسراء: آية 22
4 ) ذكره الشيخ عباس القمي في كتابه الكنى والألقاب ٢/٤٤٤ بما ملخصه: المحدث الثقة الجليل أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي صاحب كتاب الاحتجاج على أهل اللجاج وهو كتاب معروف فعن المجلسي (ره) أنه قال وكتاب الاحتجاج وان كان أكثر اخباره مراسيل لكنه من الكتب المعروفة وقد اثنى السيد ابن طاووس على الكتاب وعلى مؤلفه وقد اخذ عنه أكثر المتأخرين قال (ض) وكثيرا ما ينقل الشهيد في شرح الارشاد فتاواه وأقواله انتهى. وله الكافي في الفقه وفضائل الزهراء عليها السلام وغير ذلك وهو من مشايخ ابن شهرآشوب المتوفى سنة 588.
5 ) العلامة المجلسي؛ بحار الأنوار ٥٨ /٢٤٨ عن مجالس الصدوق: كان عند أبي عبد الله الصادق عليه السلام جماعة من أصحابه فيهم حمران بن أعين، ومؤمن الطاق وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة من أصحابه فيهم هشام بن الحكم وهو شاب.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام، قال: لبيك يا ابن رسول الله، قال: ألا تحدثني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟ قال هشام: جعلت فداك يا ابن رسول الله، إني اجلك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أمرتكم بشئ فافعلوا. قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة. وعظم ذلك علي، فخرجت إليه ودخلت البصرة في يوم الجمعة، فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة، وإذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء متزر بها من صوف، وشملة مرتد بها. فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ثم قلت: أيها العالم، أنا رجل غريب، تأذن لي فأسألك عن مسألة؟ قال: فقال:
نعم، قال: قلت له: ألك عين؟ قال: يا بني أي شئ هذا من السؤال؟! فقلت: هكذا مسألتي. فقال: يا بني سل وإن كانت مسألتك حمقاء. قلت: أجبني فيها، قال: فقال لي:
سل، قلت: ألك عين؟ قال: نعم، قلت: فما ترى بها؟ قال: الألوان والاشخاص. قال: قلت: فلك أنف؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أتشمم بها الرائحة.
قال: قلت: ألك فم؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع به؟ قال: أعرف به طعم الأشياء. قال: قلت: ألك لسان؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع به؟ قال: أتكلم به، قال: قلت: ألك اذن؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الأصوات. قال: قلت: ألك يد؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع بها؟ قال: أبطش بها. قال: قلت: ألك قلب؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع به؟ قال: أميز كل ما ورد على هذه الجوارح. قال: قلت:
أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ قال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟ قال: يا بني إن الجوارح إذا شكّت في شيء شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته أو لمسته رد ته إلى القلب فييقن اليقين ويبطل الشك. قال: فقلت: إنما أقام الله القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم، قال: قلت: فلا بد من القلب وإلا لم تستقم الجوارح؟
قال: نعم، قال: فقلت: يا أبا مروان إن الله - تعالى ذكره - لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح وييقن ما شك فيه ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك؟! قال: فسكت ولم يقل شيئا. قال: ثم التفت إلي فقال: أنت هشام؟ فقلت: لا، فقال لي: أجالسته؟ فقلت: لا، قال: فمن أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: فأنت إذا هو، قال: ثم ضمني إليه وأقعدني في مجلسه وما نطق حتى قمت. فضحك أبو عبد الله الصادق عليه السلام ثم قال: يا هشام من علمك هذا؟ قال: قلت: يا ابن رسول الله جرى على لساني. قال: يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى.