تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إني فاطمة وأبي محمد — صفحة 2

مساهمون:

ص٢
من خلال الخطبة التي أنشأتها الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام، بعيد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، والتي عرفت فيما بعد بالخطبة الفدكية ـ بالرغم من أنها لم تذكر فدكا فيها!ـ سوف نتعرض إلى جملة من العقائد التي يؤمن بها أتباع أهل البيت عليهم السلام ـ الشيعة الإمامية ـ، حيث تناولت في هذه الخطبة شيئا عن صفات الله عز وجل وخلقه الكون والأشياء، كما تعرضت أيضا إلى شخصية والدها النبي محمد المصطفى صلوات الله عليه، وبيئته التي كان فيها، ومقدار الجهد الذي بذله في سبيل تأسيس الإسلام.. ثم إنها أيضا شخصت الخطوط التي كانت في زمان النبي، ومن خلالها يمكن رصد نشوء التشيع للامام علي عليه السلام، فيما عرف فيما بعد وتبلور باسم(الشيعة).. وأيضا حديثها المبكر عن مقاصد التشريع الإسلامي، حيث نلتقي مع نص من أقدم النصوص بعد القرآن وحديث النبي والوصي حول أهداف العبادات والتشريعات الإسلامية عموما.. وفي الأخير نرى محاكمة رصينة منها عليها السلام، لمنهج الخلافة الأولى التي أرادت بحديث عليه ملاحظات تأسيس حكم شرعي خاص في موضوع الميراث، وحجب ميراث فاطمة من النبي صلى الله عليه وآله.. ونتعلم من كلماتها طريق الاستدلال الفقهي على هذا الموضوع. ومن الضروري ـ بصورة منهجية ـ أن نقدم مقدمة تثبت انتساب هذه الخطبة الى السيدة الزهراء عليها السلام؛ فإن هذا ضروري، لمن كان يعتقد بعصمتها كما يرى ذلك أتباع أهل البيت، حيث تكون فقراتها مع ثبوت النسبة من ضمن الأدلة الشرعية ـ باعتبارها تدخل ضمن دائرة السنة[1] ـ بل وحتى من لا يعتقد بعصمتها فإن من الضروري ثبوت نسبة الخطبة لها، باعتبارها أنها ستدخل حينئذ في قول الصحابي ـ والصحابية ـ وهو عند المدرسة الأخرى أيضا من مثبتات الأحكام، وفي أقل الفروض فإنها ستكون شهادة عيان على ذلك العصر وما جرى فيه، ومواقف الأطراف المختلفة فيه. حقيقة نسبة الخطبة للزهراء عليها السلام: يلحظ الناظر أن هناك توجها من قبل مخالفي المدرسة الإمامية، ينفي أو يشكك في ثبوت نسبة الخطبة للزهراء عليها السلام، ويعتقد أن هذا التشكيك ليس منطلقا من واقع تاريخي أو قرائن واضحة على النفي وإنما هو راجع ـ كما يعتقد باحثون ـ إلى جهة عقدية، تكون محرجة أمام ثبوت مضامين هذه الخطبة، حيث تعارض مسلمات عقدية، وأفكار تقوم عليها تلك المدرسة.. ومن نفس المنطلق كانت هذه الفئة تنفي ارتباط المنقول في نهج البلاغة، بالإمام علي عليه السلام [2]. ولنفس الأسباب التي دعت إلى إنكار نسبة النهج إلى الإمام، والتشكيك في ذلك، فقد تم التشكيك في انتساب خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام.. وتلك الأسباب منها ما يرتبط بالعقائد العامة(كالتوحيد وصفات الله تعالى، وفي نهج البلاغة من الخطب ما يخالف التوجه الرسمي لمدرسة الخلفاء في صفات الله وتوحيده، ونفس الكلام يأتي في خطبة الزهراء عليها السلام كما سنشير لذلك..) وأيضا العقائد بالمعنى الخاص المذهبي، ففي نهج البلاغة في مواضع كثيرة، بيّن الإمام علي عليه السلام تقدمه وأفضليته على من سبقه بل على جميع أصحاب النبي، كما بيّن في نفس الوقت خطأ تصدي من سبقه للخلافة، وتحليله للأوضاع التي آلت إليها الأمة على أثر ذلك. ولا سيما في الخطبة المعروفة بالشقشقية..وهذا بعينه يجري هنا في قضية فاطمة ومحاكمتها الخليفة بين الملأ بالبرهان والدليل.. كما سنشير إليه أيضا. فمن الطبيعي أن ما يخالف التوجه الرسمي الذي تم وضع التاريخ وكتابته على أساسه، ألّا يسمح له بالانتشار، وكان من الانصاف لو تم أخذ وجهة النظر هذه بعين الاعتبار وموازنة الأمرين واصلاح الخطأ، إلا أنه وللأسف بدلا من ذلك، تم إشهار ذلك التوجه الرسمي والتعمية على هذا الجانب بل تكذيب صدوره، فإن اصحاب هذا التوجه لا يستطيعون أن يغضوا من شأن أمير المؤمنين علي عليه
هامش
1 ) يعتقد المسلمون عموما بحجية السنة وكونها من مثبتات الأحكام الشرعية، وبينما يقتصر أتباع مدرسة الخلفاء على سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله، يعمم شيعة أهل البيت عليهم السلام الأمر ليشمل فاطمة الزهراء والأئمة الاثني عشر، ويلتزمون لهم بالعصمة. 2 ) قيل أن أول من أشار إلى التشكيك في انتساب كلمات (نهج البلاغة) الذي ألفه الشريف الرضي ت 406 هـ إلى الإمام علي عليه السلام كان: ابن خلكان ت 681 هـ.. وتابعه في ذلك الذهبي ت 748 هـ..