مِنَ الْغَوائِلِ فِي حَياتِهِ. هذا كِتابُ اللهِ حَكَماً عَدْلاً، وَناطِقاً فَصْلاً، يَقُولُ:(يَرِثُني وَيَرِثُ مَنْ آلِ يَعْقوبَ)[14]،(وَوَرِثَ سُلَيْمانَ داوُدَ)[15]).
نتناول بعض مميزات خطبة فاطمة الزهراء سلام عليها وإجمال مواضيعها، هذه الخطبة التي لم تستغرق فترة زمنية طويلة بحسب مقدار الكلمات التي قيلت فيها إلا أنها احتوت على كثير من المميزات التي جعلتها فريدة من نوعها.
هل الظروف ساعدت الزهراء عليها السلام في صياغة هذه الخطبة البليغة:
يلاحظ أن كل الظروف كانت تعاكس أن تنتج الزهراء عليها السلام هذا الكلام البليغ لفظا، القوي تركيبا، العظيم مضمونا، إن كل الظروف التي أحاطت بالسيدة الزهراء عليها السلام تقتضي خلاف هذا الأمر، فإنها من الناحية النفسية في ذلك الوقت كانت فاقدة لأبيها ومظلومة في حق زوجها، وأيضا بناء على أن الخطبة بعد الهجوم على دارها وهذا سوف نتحدث عنه إن شاء الله فيما بعد كيف تسلسل الأحداث من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله إلى شهادتها سلام الله عليها، أقول هذه الظروف لا تساعد المتكلم على أن يكون بليغ اللفظ ولا أن يكون مُرَكِز الفكر ولا أن يكون قوي التركيب، تصور أن يكون بالك مشغولا بشيء معين حينها أنت لا تستطيع أن تنظم الكلام تنظيما قويا، ربما لا تستطيع أن تخوض في أعماق المعاني، الزهراء عليها السلام لم تكن هكذا، بل كانت في وضع نفسي غير حسن، أضف إلى ذلك جانب الارتجال، المتكلمون يعرفون أن الإنسان عندما يرتجل كلاماً على البديهة من غير إعداد واستعداد، من الممكن أن يقدم ويؤخر ويتخبط ولا يركز، ونفترض أن هذه الخطبة أيضا كانت على البداهة والارتجال، هذا أمر آخر.
الأمر الثالث هو كونها امرأة في محضر رجال بالتالي فالمسجد كان مليئاً بالرجال المسلمين مهاجرين وأنصارا، والزهراء عليها السلام جاءت ونيطت دونها ملاءة (قطعة قماش) حتى تستتر عنهم ثم خاطبتهم، ومع ذلك فإن هذه الخطبة احتوت على ميزات كثيرة جداً نشير إلى قسم منها بمقدار ما يتسع منه الوقت هذا من جهة وبمقدار ما نفهمه نحن من جهة أخرى.
الخطبة بين الخطاب العقلي والعاطفي:
من هذه الميزات أننا نلاحظ تزاوجاً في هذه الخطبة بين العقل والعاطفة بدرجة كبيرة، بعض الخطابات تكون خطابات عاطفية تحتاج إلى اسلوب معين وبعضها الآخر خطابات علمية (دروس، أبحاث، محاضرات عميقة)، فهذه تحتاج إلى اسلوب خاص وتلك الخطبة العاطفية المشاعرية تحتاج إلى اسلوب آخر، ومن العسير عادة أن يجعل الإنسان نفس الخطبة العلمية كأن يلقي مثلا درسا في الأصول أو درسا في الفيزياء أو غير ذلك ويستخدم اسلوبا عاطفيا ومشاعريا محركا للإنسان، وكذا العكس فعندما يريد أن يحرك عواطف المستمع يصعب عليه أن يخوض في أمور علمية دقيقة ومركزة.
خاضت الزهراء عليها السلام في هذه الخطبة في أدق المباحث العلمية فيما يرتبط بمعرفة الله عز وجل، فقالت عليها السلام:(اِبْتَدَعَ الأَشَياءَ لا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَها) يتساءل العلماء عن هذه الجملة لماذا قالت " لا من شيء كان قبلها " ولم تقل: ابتدع الأشياء من لا شيء كان قبلها؟، وهذا بحث مهم في العقائد، وهكذا عند استدلالها بآيات القرآن استدلالاً فقهياً، ومعالجتها للآيات العامة والمطلقة ودعوى التخصيص وهل هناك مانع من انعقاد العموم؟ وغير ذلك من المباحث التي يذكرها علماء الفقه والأصول فهذا الجانب العلمي نراه موجودا في خطبة الزهراء عليها السلام.
كذلك فإن الجانب العاطفي والمشاعري والإثارة القلبية أيضا كان موجودا في ثنايا هذه الخطبة، ولذلك تفاعل الناس بالبكاء عند استماعهم للخطبة، (إيْهاً بَنِي قَيْلَةَ! أاُهْضَمُ تُراثَ أبِي وَأنْتُمْ بِمَرْأى مِنّي وَمَسْمَعٍ، ومُنتدىَ وَمَجْمَعٍ؟! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وتَشْمُلُكُمُ الْخَبْرَةُ، وَأنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالأَداةِ وَالْقُوَّةِ،
هامش
14 ) سورة مريم: آية 6
15 ) سورة النمل: آية 16