معاوية ومن كان في مجلسه، يعتقد بيقين أن عنوان الرجولة لا يعطي بذاتها لصاحبه امتيازا ما لم يصدقه بعمل يدلل على استحقاقه لذلك العنوان، كما أن الأنوثة ليست عارا يلحق حامله، إذا ما أحسن العمل، فـ{مَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}([93]). إننا نجد الفرق الهائل بين مثل هؤلاء المؤمنات الصادقات في مواقفهن، وبين مثل بعض أولئك الرجال الذين يمثلهم (الحتات بن يزيد) الذي دخل على معاوية فلما أعطى من كان معه أموالا كثيرة، وأعطاه أقل منهم، سخط وسأله فقال له معاوية: إني اشتريت منهم دينهم ووكلتك إلى دينك.. فقال له: ومني فاشترِ؟؟. فهل تضع هذا (الرجل الفحل!! ) في ميزان واحد مع تلك النساء اللبوءات؟
ولو كان النساء كمن سمعنا
| لفضلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب
| ولا التذكير فضل للهلال
فقد نقل في العقد الفريد، استدعاء معاوية إياهن، ووفودهن عليه، وما دار بينه وبينهم من حوار يبين كم كان لهن من دور هام في التعبئة المعنوية وفي إلهاب حماس أفراد جيش أمير المؤمنين عليه السلام في صفين. وفي كسر الكبرياء السلطوي للأمويين حتى بعد أن سيطروا على الحكم.
هذه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب ابنة عم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكانت قد طعن بها السن لكنها عندما دخلت على معاوية وعنده عمرو بن العاص وعدد من وزرائه، لم تتردد أن جبهته بالحق الذي تعرفه، وبينت له خطأ أسلافه، وإصراره على الخطأ بعدهم عندما نازع أمير المؤمنين ما هو أهله، فهلم معي نرَ عنفوان الوعي المتمرد على آثار العمر والشيخوخة، لنقرأ ما ذكره المؤرخون عن ذلك اللقاء:
لما دخلت أروى بنت الحارث على معاوية، فلما رآها قال: مرحبا بك وأهلا يا عمة، فكيف كنت بعدنا؟
فقالت: كيف أنت يا ابن أخي لقد كفرت بعدي بالنعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الإسلام ولقد كفرتم بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فاتعس الله منكم الجدود وأصعر منكم الخدود حتى رد الله الحق إلى أهله وكانت كلمة الله هي العليا ونبينا محمد صلى الله عليه وآله هو المنصور على من ناواه ولو كره المشركون فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظاً ونصيباً وقدراً حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله مغفوراً ذنبه مرفوعاً درجته شريفا عند الله مرضياً فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناءهم
هامش
93 ) سورة النساء آية 124.