تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نساء حول أهل البيت — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وفاضت دماً عبيطاً: الانهيار الذي ابتدأ في زمن معاوية استمر في زمن يزيد كأبشع ما يكون، وهل تلد الحية إلا أفعواناً؟ ها هم قد احتضنوا خط الانحراف فأنتج وكما قالت الزهراء عليها السلام مستشرفة صورة المستقبل: >دماً عبيطاً وذعافاً ممقراً مبيداً، هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون<. ثلاث من السنين طبعت آثارها السوداء على جبين الأمة، ففي الأولى قتل السبط سيد شباب أهل الجنة، وفي الثانية وقعة الحرة وفي الثالثة هدم الكعبة، ولو بقي أكثر من ذلك لكانت الكارثة على كل الوجود الإسلامي. كان قتل الإمام الحسين عليه السلام بتلك الصورة المفجعة عنوانا لما يجري على الإسلام من انتهاك على يد الأمويين، ومن ذلك العنوان كان يمكن قراءة الرسالة التي تحته. لهذا لم يكن غريبا أن تجلس أم سلمة ذات يوم فزعة مرعوبة وقد رأت رسول الله في المنام أشعث أغبر باكي العين، ولما سألته أخبرها ببلوغ الكارثة مداها، وعلامة ذلك أن تنظر إلى القارورة التي أعطاها لها في حياته، فإنها تفيض دما عبيطا..([89]) لقد عادت بالذاكرة إلى أكثر من نصف قرن من الزمان عندما كان رسول الله ذات يوم في بيتها، وقال لها: لا يدخلن علي أحد فانتظرت فدخل الحسين عليه السلام ، وحينئذ سمعت نشيج رسول الله، تقول أم سلمة: فاطلعت فإذا حسين في حجره والنبي صلى الله عليه وآله يمسح جبينه وهو يبكي، فقلت: والله ما علمت حين دخل.. فقال: إن جبريل عليه السلام كان معنا في البيت فقال: تحبه؟ قلت: أما من الدنيا فنعم، فقال: إن أمتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء. فتناول جبريل من تربتها فأراها النبي صلى الله عليه وآله ، فلما أحيط بحسين حين قتل قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: كربلاء. فقال: صدق الله ورسوله أرض كرب وبلاء([90]). وفي حديث آخر عنها أيضاً: أن رسول الله قال لها: يا أم سلمة إذا تحولت هذه التربة دماً فاعلمي أن ابني قد قتل فجعلتها أم سلمة في قارورة ثم جعلت تنظر إليها في كل يوم وتقول: إن يوماً تحولين دماً ليوم عظيم([91]). أيها الموت عجل.. فما طعم الحياة؟ ذهب الذين أحبهم وبقيت فيمن لا أحبه. ولم تكمل أم سلمة سنتها تلك بعد أن فارقت روح حسين حياتها.
هامش
89 ) ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى، 253. 90 ) العسكري، مرتضى، معالم المدرستين عن معجم الطبراني، ح 51 و53. 91 ) العسكري، مرتضى، معالم المدرستين عن معجم الطبراني، ح 51 و53.