أفنوها يوم بدر واحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله حين ضربوك وأباك على الإسلام حتى ظهر أمر الله وأنتم كارهون فسكت معاوية([182]).
كافأ معاوية النعمان وهو عملة نادرة من الأنصار إلى جانبه على ما فعل بأن عينه قاضيا في دمشق في البداية سنة 53هـ، ثم ولاه الكوفة وبقي فيها إلى أن عزل أيام يزيد بعبيد الله بن زياد.
مع هذا السجل غير المشرف نجد مواقف تحمد للنعمان أيضاً، مثل ما قاله ليزيد عندما أوقف سبايا أهل البيت أمامه في الشام بعد أن استشهد الرجال في كربلاء، وسأل أصحابه عما يعمل بهم، فأشار بعضهم عليه بالقتل، وهنا قال النعمان بن بشير: اصنع بهم ما كان يصنع بهم رسول الله!([183])، وتولى أمرهم بنحو طيب عندما أوكلت إليه مهمة إعادة السبايا إلى المدينة. لكن هذا لم يكن لينفعه وهو صاحب الموقف المنسجم مع الأمويين طيلة عمره..
وكما قلنا، كان النعمان يشكل حالة أموية شاذة في المجتمع الأنصاري، فإنه لم يستطع التأثير فيمن حوله، حتى ابنته عمرة فقد كانت هذه تراقب الأوضاع بوعي، وتشخص الموقف السليم الذي ينبغي أن يتخذ، لذلك ما أن قام المختار بن أبي عبيدة الثقفي (زوجها) بحركته الثأرية، حتى وقفت مناصرة له، وهي تعلم بأن الدخول في هذا المعترك سوف يكون له الثمن الباهظ، الذي قد ينتهي إلى شهادة زوجها وترملها، وربما إلى شهادتها أيضاً.
( ( ( (
بعد أن عاد بقايا التوابين من حركتهم الاستشهادية الثورية، كتب إليهم المختار الثقفي من سجنه: >أما بعد فإن الله أعظم لكم الأجر وحط عنكم الوزر بمفارقة القاسطين وجهاد المحلين، إنكم لم تنفقوا نفقة ولم تقطعوا عقبة ولم تخطوا خطوة إلا رفع الله لكم بها درجة وكتب لكم بها حسنة، إلى ما لا يحصيه إلا الله من التضعيف فأبشروا فإني لو خرجت إليكم قد جردت فيما بين المشرق والمغرب في عدوكم السيف بإذن الله، فجعلتهم بإذن الله ركاماً وقتلتهم فذا وتؤاما فرحب الله بما قارب منكم واهتدى ولا يبعد الله إلا من عصى وأبى، والسلام يا أهل الهدى<.. فردا عليه الجواب في سجنه: >قد قرأنا الكتاب ونحن حيث يسرك فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك فعلنا<.. فقال للرسول: لا تريدوا هذا فإني أخرج في أيامي هذه.. واستفاد المختار من مصاهرته لعبد الله بن عمر في ترتيب أمر خروجه من السجن.. ليجمع الأنصار في الكوفة تدريجيا للسيطرة عليها، وأحس عبد الله بن مطيع والي بن الزبير على الكوفة بالأمر فقام في الناس خطيبا، وقال: >أما بعد فإن أمير المؤمنين
هامش
182 ) المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، ج40 ص124.
183 )المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، ج41 ص135.