إن مسيرة الألم والسبي التي استمرت أربعين يوما بعد شهادة الحسين عليه السلام ، كانت الصورة المكملة للثورة، ذلك أن الخطابات التي ألقيت في الكوفة وفي الشام كشفت للناس عظم الخطب والمأساة، والداهية التي أصيب بها الإسلام بولاية يزيد عليهم.
ها هو الركب الحسيني في بلاط يزيد، وقد أراد يزيد بن معاوية أن يجعل منهم أمثولة تردع غير الحسين عن التفكير في معارضته، فإذا كان الحسين وهو ابن رسول الله قد صنع به ما صنع، وسبيت نساؤه بهذه الصورة فأية حرمة تبقى لغيره؟
لكن انقلب السحر على الساحر، فإذا بالمجلس يتحول إلى عاصفة من النقد والاستنكار على يزيد، وعلى أعوانه.. وما نقله التاريخ من مشاهد في ذلك المجلس يبين بوضوح كيف أن الحسين عليه السلام كان منتصرا وهو لا يزال عفير التراب.
فقد قام السجاد علي بن الحسين عليه السلام وخطب في الحاضرين ذلك الخطاب الذي نقض فيه غزل يزيد انكاثاً بعد إحكامه. ثم قام زيد بن أرقم وقد رأى يزيدا يضرب ثنايا رأس الحسين عليه السلام بعود خيزران كان معه، قائلاً إنه طالما رأى النبي صلى الله عليه وآله يقبل ثناياه.
وأما الرباب فإنها وهي ترى قمر الرسالة في طشت يزيد، ظلت تتطاول للنظر إليه، ثم رثته بأبيات:
واحسينا فلا نسيت حسيناً
| أقصدته أسنة الأعداء
غادروه بكربلاء صريعاً
| لا سقى الله جانبي كربلاء
( ( ( (
عاد الركب الحسيني محملا بأثقال الألم، إلى جانب أكاليل النصر وتحقيق هدف النهضة الحسينية، واتجه إلى كربلاء.. حيث موطن الذكريات. وهناك التقى عند المصرع بجابر بن عبد الله الأنصاري([137])
هامش
137 ) شكك الشيخ المطهري ( في (الملحمة الحسينية) بأمر لقاء الركب الحسيني بجابر بن عبد الله الأنصاري(، وذكرها تحت عنوان التحريفات اللفظية: قصة زيارة الأسراء لقبر الحسين عليه السلام في كربلاء وملاقاة السجاد عليه السلام لجابر ( وذلك بعد أن وصل الأسرى إلى مفترق طريق بين المدينة والعراق والاستعانة بالنعمان بن بشير لمعرفة طريق كربلاء في حين أن حقيقة الزيارة المعروفة هي زيارة جابر وعطية العوفي ( لقبر الحسين عليه السلام لا غير. هذا على فرض كون كل ما جاء في الطبعة العربية المترجمة صحيح النسبة إلى الشهيد المطهري ( وهو ما نفاه المحقق السيد جعفر العاملي.
ولم يذكر الشهيد المطهري ( ـ وهو المتتبع ـ ما يدل على كون الواقعة غير حقيقية، أو جهة كونها من التحريفات اللفظية! ولعل حرصه على أن تكون الأمور محققة وحماسه ضد المبالغات غير المقبولة في السيرة الحسينية كما يلحظ ذلك قارئ الملحمة أدى به لذلك.
فمع أننا لا نجد تأريخا صريحا للواقعة في المصادر التاريخية القديمة ـ في الباقي منها ـ كما هو الحال في الباقي من مقتل أبي مخنف الأزدي، والذي نقل منه الطبري كثيرا، ولم ينقله بكامله، وإنما نقل ما يرتبط بالقضية التأريخية التي تنفعه في كتابه.. ولا يضر عدم ذكره الواقعة فإنه لم يذكر أصل زيارة جابر الأنصاري (، كما لا يضر عدم ذكرها في المصادر التاريخية القديمة فإن أول من ذكر الزيارة هو صاحب (بشارة المصطفى() المتوفى بعد سنة 553 هـ فإنه قد التزم الشيخ الطبري بأنني سميته بكتاب (بشارة المصطفى ( لشيعة المرتضى عليه السلام) ولا أذكر فيه إلا المسند من الأخبار عن المشايخ الكبار والثقاة الأخيار.. والشيخ الطبري وهو من تلاميذ ابن شيخ الطائفة الطوسي ( في تلك الطبقة يمكن أن تقبل شهادته في التوثيق وأنها عن حس لا عن حدس واجتهاد. ومع هذا يمكن الاطمئنان إلى وثاقة من هم في سند هذه الرواية التي نقلها في كتابه.. فإنهم يتحدثون في علم الرجال في باب التوثيقات العامة عن كتاب (بشارة المصطفى () كواحد من الكتب التي تفيد وثاقة من ورد في أسانيد رواياته ـ إما كل من ورد في سلسلة السند كما لعله الأظهر باعتبار أن صاحب الكتاب وهو الضليع في هذا الفن يريد أن يصحح رواياته وهذا لا يتم إلا بالحكم بوثاقة من هم في السند جميعا وإما خصوص مشايخه على الخلاف المبحوث في بابه ـ.
كما ذكر الشيخ الجليل نجم الدين جعفر بن محمد بن جعفر أبي البقاء هبة الله بن نما الحلي وهو الشيخ الفقيه الذي كان من الفضلاء والأجلة وكبراء الدين والملة، عظيم الشأن جليل القدر، وأحد مشايخ آية الله العلامة… كما ذكر المحدث القمي في (الكنى والألقاب) وغيره في غيره والمتوفى سنة 645هـ في كتابه مثير (الأحزان) ص 76 طبع المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف بنحو الاختصار موضوع اللقاء بين جابر وبين ركب السبايا فقال ولما مر عيال الحسين بكربلا وجدوا جابر بن عبدالله الانصارى ( وجماعة من بنى هاشم قدموا لزيارته في وقت واحد فتلاقوا بالحزن والاكتئاب والنوح على هذا المصاب المقرح لأكباد الأحباب،.. وقد طبع هذا الكلام في حاشية مقتل الحسين عليه السلام لأبي مخنف الأزدي ص220.
وقد ذكر الموضوع أيضا السيد علي بن طاووس الحلي( المتوفى سنة 664 هـ في كتابه اللهوف في صفحة 196 فقال: ولما رجع نساء الحسين عليه السلام وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل: مر بنا على طريق كربلاء ووصلوا إلى المصرع فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري ( وجماعة من بني هاشم قد وردوا لزيارة قبر الحسين عليه السلام فوافوا في وقت واحد وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم.
ونحن لا نرى وجود مانع يمنع من الالتزام بالرواية المذكورة، فمن الناحية التاريخية كان دخول السبايا إلى الشام في أول يوم من صفر كما رواه الكفعمي والبهائي والمحدث الكاشاني وكان بقاؤهم في الشام خمسة أو سبعة أيام، ثم عودتهم إلى كربلاء ـ مع ملاحظة أن ذهابهم كان أكثر من ذلك لتوقفهم في الكوفة، ولأنهم كانوا يريدون التفرج عليهم في رحلة الذهاب بخلاف ذلك في رحلة العودة، وعلى أي حال فإن خمسة عشر يوما أو ثلاثة عشر يوما كافية للوصول إلى كربلاء في رحلة العودة.