تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وهذا يعني أن رد الفعل العاطفي لتجديدات الشيخ قد طغى متمثلا في تلك النزعة التقديسية على رد الفعل الفكري الذي كان ينبغي أن يتمثل في درس القضايا والمشاكل التي طرحها الشيخ والاستمرار في تنمية الفكر الفقهي. وقد بلغ من استفحال تلك النزعة التقديسية في نفوس الأصحاب أنا نجد فيهم من يتحدث عن رؤيا لأمير المؤمنين عليه السلام شهد فيها الإمام عليه السلام بصحة كل ما ذكره الشيخ الطوسي في كتابه الفقهي «النهايةب، وهو يشهد عن مدى تغلغل النفوذ الفكري والروحي للشيخ في أعماق نفوسهم. ولكن هذا السبب لتفسير الركود الفكري قد يكون مرتبطا بالسبب الأول، إذ لا يكفي التقدير العلمي لفقيه في العادة مهما بلغ لكي يغلق على الفكر الفقهي للآخرين أبواب النمو والتفاعل مع آراء ذلك الفقيه، وإنما يتحقق هذا عادة حين لا يكون هؤلاء في المستوى العلمي الذي يؤهلهم لهذا التفاعل فيتحول التقدير إلى إيمان وتعبد»[89]. انتقادات لجهد ابن ادريس التجديدي: كأي محاولة تجديدية كان من الطبيعي أن تواجه جهود ابن ادريس معارضة في الوسط العلمي، المعاصر له بل والمتأخر عنه! وليس من الضروري أن تكون تلك المعارضة بسوء نية، بل ربما قام بها التقي الزاهد من العلماء، وحرصا فيما يرى على الدين، وذوذا عن حياض العلم، وحفاظا على أعلام الشريعة. وهذا ما يواجهه وإلى اليوم الكثير من المصلحين، والمجددين في أكثر من مستوى، ابتداء من عدم التفهم لجهودهم وعدم وضعها في إطارها الصحيح، ومرورا بعزلهم اجتماعيا بالحديث ضدهم والتشكيك في نياتهم، وانتهاء بالتنظير إلى مضادة أفكارهم حتى ما كان صحيحا منها. نعم تعرض ابن ادريس إلى مواجهة وانتقاد، بعضه كان قائما على أسس منهجية وهذا لا مانع منه، والكثير منه أقرب إلى التشويش، فمن ذلك ما تحدث عنه بعض العلماء من أن: ابن ادريس قد أعرض عن أخبار أهل البيت بالكلية [90]. أنه لم يعمل بأخبار الثقات. ورفض العمل بخبر الواحد. أنه تجرأ على شيخ الطائفة الطوسي وأساء الأدب له، فبتر الله عمره! وقد انبرى غير واحد من العلماء لكي يدافعوا عن ابن ادريس. كما صنع ذلك التفرشي في نقد الرجال والخوانساري في الروضات، والميرزا النوري في خاتمة المستدرك، والسيد الخوئي في معجم رجال الحديث وخلاصة ما ذكروه: أنه قد اختلط على ابن داود وهو منشأ القول بإعراض ابن ادريس عن أخبار أهل البيت بالكلية، اختلط عليه أمر عدم عمله بخبر الواحد، وأن هذا الخبر لا يفيد علما ولا عملا، وأمر عدم العمل بأخبارهم بالكلية. وهما يختلفان اختلافا بينا.
هامش
89 الصدر، محمد باقر: المعالم الجديدة للأصول. 67 90 الحلي، ابن داود، رجال ابن داود. 269