تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
أننا لو ألقينا نظرة عامة على الوضع العلمي في زمان شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي رحمة الله ، فإننا سنجد أن هذا الفقيه المفسر الأصولي المتكلم الرجالي، قد بسط هيمنته الفكرية على الساحة الشيعية، وقد كان رحمة الله غزير الانتاج في مختلف المجالات، ففي الفقه وجدنا له كتاب النهاية في الفقه المجرد، وتهذيب الأحكام في الفقه الاستدلالي الروائي، والمبسوط في تفريع الفروع الفقهية، وفي الرجال أكثر من كتاب، وفي العقائد كذلك، والتفسير والكلام. وهكذا. وقد مُدّ له في عمره حتى تخرج على يديه جيل كبير من الفقهاء والمفسرين والمتكلمين، وكان هؤلاء يعرفون المستوى العلمي الراقي للشيخ رحمة الله ، وكان هذا وغيره من الأسباب التي منعت الجيل اللاحق له من تلامذته من مناقشة آرائه ونظرياته، وكانت هذه الهيمنة الفكرية لآراء شيخ الطائفة رحمة الله تهدد المجاميع العلمية لدى الطائفة لو استمرت بالتوقف والجمود الفكري، وربما انتهى باب الاجتهاد إلى الانسداد، كما حصل بالنسبة إلى سائر المذاهب الأخرى من مدرسة الخلافة، حيث أنهم لحسن ظنهم بمتقدميهم من أئمة الفقه الأربعة توقفوا عندهم، وإذا أراد أحد المتأخرين أن يجتهد فإنما يسمح له داخل إطار تلك المذاهب بالترجيح أو ما يشبهه. وقد استمر هذا الحال إلى أكثر من قرن من الزمان تقريبا. إلى أن جاء ابن ادريس الحلي رحمة الله ، فقام بمحاكمة آثار الشيخ الطوسي علميا، ولم تمنعه هيبة الشيخ، واحترام ابن ادريس له في أن يفند ما لا يراه صحيحا من آرائه، معتمدا على عارضة استدلالية قوية، وقدرة على التتبع جيدة. وقد عبر البعض عن هذه الفكرة بأنه أول من فتح باب الطعن على الشيخ الطوسي رحمة الله ، كما نجد في كلمات المحدث البحراني في كتابه اللؤلؤة قائلا: «وهذا الشيخ كان فقيها أصوليا بحتا ومجتهدا صرفا وهو أول من فتح باب الطعن على الشيخ (!) وإلا فكل من كان في عصر الشيخ أو من بعده إنما كان يحذو حذوه غالبا إلى أن انتهت النوبة إليه»[87]. وقد تحدث عن فترة التوقف تلك أو الركود كما سماها بعضهم، أكثر من درس مرحلة ما بعد الشيخ، واتفقوا في النتيجة وإن كانوا قد اختلفوا في الأسباب المؤدية إلى ذلك، مع أنهم أشاروا جميعا[88] إلى هيمنة الشيخ الطوسي وأفكاره على الجو العلمي إلى قرن من الزمان بعده. وعبر الشهيد الصدر عن هذه الفكرة بقوله: «وقد أسند جماعة من العلماء ذلك الركود الغريب إلى ما حظي به الشيخ الطوسي من تقدير عظيم في نفوس تلامذته رفعه في أنظارهم عن مستوى النقد، وجعل من آرائه ونظرياته شيئا مقدسا لا يمكن أن ينال باعتراض أو يخضع لتمحيص. ففي المعالم كتب الشيخ حسن بن زين الدين ناقلا عن أبيهK أن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به وروي عن الحمصي وهو ممن عاصر تلك الفترة أنه قال: «لم يبق للامامية مفت على التحقيق بل كلهم حاكٍ».
هامش
87 الخوانساري، محمد باقر: روضات الجنات 6. 256 نقلا عن لؤلؤة البحرين. 88 راجع مقدمة معالم الدين للجنة التحقيق في مركز نشر جماعة المدرسين، ومقدمة عدة الأصول لمحققه محمد رضا الأنصاري.