تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
تجديد الخبير محمد بن ادريس الحلي 543 - 598هـ قد ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وآله (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)[85]. وهو يشير إلى حقيقة واقعة في تاريخ العلوم في الإسلام، إذ ليس المقصود من تجديد الدين، تجديد ذات الدين، لأنه ثابت لا يتقادم ولا يتجدد، وإنما المقصود هو تجديد المعرفة الدينية، وفهم الدين. وأوضح أنحاء ذلك التجديد في الفقه، ولذا وجدنا أن من شرح هذا الحديث وحاول أن يعين مصاديقه من المجددين كان ناظرا في الغالب إلى الفقهاء. والدعوة إلى التجديد في الفقه تلقى قبولا ورواجا بين المثقفين والواعين، وهي دعوة حق بلا ريب، إلا أنه ينبغي التأكيد على بعض الحقائق في هذا المجال لتتضح الفكرة تماما: التجديد في الفقه ينبغي أن يتم من خلال الخبراء به، المحيطين بقواعده وأصوله، والمهيمنين على (القديم) منه للانطلاق إلى الجديد. فليس من الصحيح أن يكون هذا المجال شرعة لكل وارد لكي يعمل فكره فيه بالنحو الذي يريد ويسمي ذلك تجديدا. إن أي مجال نظري وعلمي لا يمكن تطويره وتجديده إلا بواسطة الخبراء العارفين بواقعه الفعلي وتاريخه حتى يستطيعوا أن يطوروا هذا الموجود ويجددوا ذلك القديم. وما نلاحظه من دعوات، بل ومحاولات، وممارسات من أشخاص باتجاه (تجديد) للفقه، وهم لم يتخصصوا فيه، هو أقرب للعبث منه إلى الجد. بل قد يبلغ الاسفاف مداه عندما نجد بعض (الكتاب) ممن يكون لتوه قد عرف كيف يصوغ مقالة، فإذا به يجرب مقالته الأولى في الدعوة إلى تجديد الفقه، وعدم الحاجة إلى الفقه الموجود، وينتقد ما يسميه تارة بالفقه الذكوري، والفقه المتكلس و، و، ثم يرتقي منصة الحكم والفقاهة، لكي يسطّر مجموعة من الـ (يجبـ) ات!! ناسفا بذلك كامل التراث الفقهي الكبير، والكتب المدونة العميقة، والجهد الجبار النظري الذي بذله العلماء على مدى أحد عشر قرنا من الزمان! التجديد الذي يتحدث عنه هنا، وهو المطلوب لا يتوقف عند تغيير اللغة التي كتب بها المتن الفقهي، ولا في حذف مسائل انتفت الحاجة إليها بحسب تطور الزمان، أو في الاستدلال على مسائل جديدة لم تكن موجودة عند السابقين والأوائل، وإنما تمتد لتشمل المنهج المتبع في الاستدلال والاستنباط، وابتكار نظريات جديدة سواء في الأدلة، أو في أصل المنهج، تلك النظريات التي يتم مناقشتها والبرهنة عليها.
هامش
85 ورد في مصادر الحديث السنية كثيرا، فقد أورده ابو داود السجستاني في سننه، و الحاكم في المستدرك، والمتقي في كنز العمال. ونقله عنها من محدثي الشيعة النوري الطبرسي في خاتمة المستدرك.
من أعلام الإمامية : بين الفقيه العماني وآقا بزرك الطهراني — صفحة 56 | فوزي آل سيف