فالأول مسلك أصولي لا ينفرد به ابن ادريس، بل سبقه إليه السيد المرتضى وقد أكده في كثير من كتبه، وعمل فيها على هذا الأساس، والتزم بالعمل بالخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن والمفيد للعلم. وهذا هو الذي سلكه ابن ادريس. ولم يعرض عن أخبار أهل البيت، فإنه لو فعل ذلك كما قال بعضهم لما كان قادحا في عدالته فقط وإنما في إيمانه وتشيعه!
كيف؟ والحال أنه كان واسطة في انتقال الكثير من الأصول الحديثية إلى من بعده، حيث كان لديه الكثير من كتب الأصول في الحديث كجامع البزنطي، وابن بكير ومعاوية بن عمار، والحسن بن محبوب، ومحمد بن علي بن محبوب وموسى بن بكر وغيرهم [91] وقد أوردها في كتابه السرائر. وقد قال المحقق التستري في كتابه قاموس الرجال[92]: كيف و سرائره كلّه من طهارته إلى دياته مبتن على أخبارهم (عليهم السلام)؟
وحيث أن السيد الخوئي رحمة الله قد أجاب عن الشبهات السابقة ببيان جيد، ننقله بنصه:
أما قول ابن داود إنه أعرض عن أخبار أهل البيت عليهم السلام بالكلية فهو باطل جزما، فإنه اعتمد على الروايات في تصنيفاته، وكتابه مملوء من الاخبار، غاية الامر أنه لا يعمل بالاخبار الآحاد، فيكون حاله كالسيد المرتضى وغيره ممن لا يعملون بالخبر الواحد غير المحفوف بالقرائن، ولأجل ذلك ذكر السيد التفريشي ما تقدم منه، كما تقدم عن الشيخ الحر ما ذكره من أن علماءنا المتأخرين قد أثنوا عليه واعتمدوا على كتابه.
بقي هنا شيء: وهو أن المعروف في الألسنة أن ابن إدريس تجاسر على شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي -K - جسارة لا ينبغي صدورها عن الجاهل فضلا عن مثل ابن إدريس، وهذه القصة لا أساس لها. ومن الغريب أن الشيخ المامقاني نسب ذلك إلى كتاب ابن إدريس، وقال: «وأقول في مواضع من السرائر أعظم مما نقله (العلامة) حتى أنه في كتاب الطهارة عند إرادة نقل قول بالنجاسة عن الشيخ يقول: وخالي شيخ الأعاجم أبو جعفر الطوسي يفوه من فيه رائحة النجاسة، وهذا منه قد بلغ في إساءة الأدب النهاية».
أقول: إن ما ذكرهK خلاف الواقع، وليس من ذلك في كتاب السرائر عين ولا أثر، ويدل على ذلك أن الشيخ أبا جعفر الطوسي لم يكن خالا لابن إدريس، وإنما هو جده لامه، والشيخ المامقاني لم يلاحظ كتاب ابن إدريس وإنما ذكر ذلك اعتمادا على ما سمعه من أفواه الناس، وكيف يتكلم ابن إدريس بمثل ذلك وهو يعظم الشيخ أبا جعفر في موارد عديدة.
منها: قوله في أوائل الكتاب في توبيخ المتمسكين بالاخبار الآحاد حتى في أصول الدين: فقد قال الشيخ السعيد الصدوق أبو جعفر الطوسيH وتغمده الله تعالى برحمته.
ومنها: ما قاله في باب الصلاة الجمعة وأحكامها، فإنه ذكر بعد نقل كلام عن السيد المرتضى حكاه الشيخ
هامش
91 عد الباحث علي همت بناري في كتابه عن ابن ادريس 21 مصدرا بينها 14 مصدرا تعد من الأصول الروائية كما تقدم ذكر بعضها.
92 التسترى، محمد تقي:قاموس الرجال 9. 93