الطبرسي وأرضية التقارب المذهبي
أبو علي الفضل بن الحسن
ت 548هـ
لما كان القرآن الكريم فيه تبيان كل شيء تحتاجه الأمة في طريقها إلى الفلاح الدنيوي والفوز الأخروي، فلا ريب أن فيه أيضا علائم نور ومنارات ارشاد تشير إلى طريق الوحدة والتآلف بين أبنائها.
ولهذا فقد اعتبر القرآن الكريم الأمة واحدة في خطابه وتعامل معها على هذا الأساس {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[75]، وبالرغم من إدراك التنوع الموجود فيها مذهبيا وعقديا وفقهيا إلا أنه تعامل معها ككتلة واحدة، ذات علاقات واحدة ومقومات متماثلة، ولذلك منع عن التنازع والتشاحن، فإنه يذهب بالقوة والامكانات هباءا {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}[76]. بل اعتبرهم إخوة، أي لم يكتف ببيان نسبة المجموع لبعضه، بل حتى نسبة البعض للبعض والأفراد للأفراد، فقال {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[77].
فمن مقومات الوحدة بين أبناء الأمة، وحدة العقيدة الأساسية: الاعتقاد بالله الواحد الأحد، والاعتقاد بنبوة المصطفى محمد صلى الله عليه وآله ، والاعتقاد بالبعث والنشور يوم القيامة. ومن تلك المقومات أيضا: وحدة العبادات، فالجميع يتوجه إلى جهة واحدة في صلواته اليومية عابدا خاشعا، ويصوم شهر رمضان في كل سنة، ويحج إلى بيت الله الحرام في وقت معين وبمناسك خاصة. وهكذا سائر العبادات.
ومنها أيضا وحدة النظام الأخلاقي، فلا تجد توجيها أخلاقيا عند فريق خاص يعارضه التوجيه الأخلاقي عند الفريق الآخر، وإنما الكل يعتقد بمنظومة أخلاقية واحدة.
والذي يحمي كل تلك المقومات هو القرآن الكريم، كلام الله سبحانه وتعالى المحفوظ بتمامه وكماله لا يأتيه الباطل (من نقص أو زيادة) من بين يديه ولا من خلفه، الذي تعهد الله عز وجل بحفظه فقال {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [78].
والمهم في هذا الشأن أن هذا الحافظ للوحدة، لا يزال ولن يزال قائما، يتلى آناء الليل وأطراف النهار، ويشكل المرجعية التامة للمسلمين جميعا.
هامش
75 سورة الأنبياء: 92
76 سورة الأنفال: من الآية 46
77 سورة الحجرات: 10
78 سورة الحِجْر: 9