المرتبة والمنقحة لكتاب (التبيان) في تفسير القرآن لشيخ الطائفة الطوسي. كما سيأتي الحديث.
توجهه القرآني:
إدراك الشيخ أبي علي الطبرسي لأهمية القرآن الكريم في تكريس وحدة الأمة، وتوحيد منهجها الفكري، جعله يكرس أكثر جهده في (تفسير) القرآن وشرح مقاصده وغاياته، بأساليب مختلفة، فمنها ما هو مفصل كمجمع البيان، ومنها ما هو مختصر نسبيا يجمع بين ما ذكره في المجمع وفي الكاف الشاف كجوامع الجامع.
ومنها ما هو ترتيب لتفاسير أخر، من غير المدرسة الإمامية، وإضافة رأي الإمامية إليه كعمله في كتاب (الكاف الشاف) حيث أنه اختصر كتاب الكشاف للقاضي جار الله الزمخشري [79] وأضاف إليه مختصر ملاحظاته وآرائه من مجمع البيان.
وينبغي أن نقف هنا أمام ملاحظة وهي أن الكثير من العلماء كتبوا تفاسير للقرآن، منها ما هو روائي، ومنها ما هو بلاغي ولغوي، ومنها ما هو قصصي، وهكذا. ولكن المهم هو الرسالة التي يحملها المفسر من خلال تفسيره للقرآن، وماذا يريد أن يقول لقارئ التفسير. وهذا هو الذي ميز الشيخ الطبرسي عن سائر المفسرين، حيث أنه قام بتهيئة الأرضية اللازمة للتقارب المذهبي بل للوحدة بين المسلمين، على مستوى المضمون والأسلوب، فهو على مستوى المضمون كان يأتي بالأفكار المتوافق عليها ويهجر الأخرى الشاذة والنادرة، وعلى مستوى الأسلوب كان يستشهد بأقوال أئمة المذاهب، والعلماء سواء أولئك الذين يتفقون معه في المذهب أو أولئك المختلفين معه، وسواء كان يقبل أقوالهم تلك أو يردها باحترام كامل.
وتميز مع ذلك تفسيره الكبير (مجمع البيان لعلوم القرآن) بميزات متعددة نشير إلى بعضها مستفيدين مما ذكره باحثون آخرون في حياة هذا العالم، وآثاره.
فمن ميزاته النفسية الاعتراف بفضل الغير: فهو يذكر في أول تفسير مجمع البيان فضل شيخ الطائفة في تفسيره (التبيان)، فإنه بعد أن عرض إلى أن غالب أصحابنا كانت تفاسيرهم مختصرات، اإلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد، أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، قدس الله روحه، من كتاب (التبيان) فإنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق، ويلوح عليه رواة الصدق، قد تضمن من المعاني الأسرار البديعة، واحتضن من الألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها، ولا بتنميقها دون تحقيقها، وهو
هامش
79 الزمخشري (467 - 538 ه) محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم: من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب. ولد في زمخشر (من قرى خوارزم) وسافر إلى مكة فجاور بها زمنا فلقب بجار الله. وتنقل في البلدان، ثم عاد إلى الجرجانية (من قرى خوارزم) فتوفى فيها. أشهر كتبه (الكشاف - ط) في تفسير القرآن، و (أساس البلاغة - ط) و (المفصل - ط) ومن كتبه (المقامات - ط) و (مقدمة الأدب - خ) في اللغة، و (الفائق - ط) في غريب الحديث، و (المستقصى - ط) في الأمثال، مجلدان، و (رؤوس المسائل - خ) وكان معتزلي المذهب، مجاهرا، شديد الانكار على المتصوفة، أكثر من التشنيع عليهم في الكشاف وغيره. عن الأعلام - خير الدين الزركلي - ج 7 - ص 178