بحيث إنه كان ليس لأحد من الأشاعرة أن يشهد الجمعة ولا الجماعات.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. وفيها ألزم الروافض بترك الاذان بحي على خير العمل، وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح، وبعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين، وأزيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة: محمد وعلي خير البشر، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ، ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة.. وأمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض، لما كان تظاهر به من الرفض والغلو فيه، فقتل على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره [72].
الحوزة العلمية في جوار باب مدينة العلم:
يقول الشاعر في حق مخالفه:
أردت مساءتي فأجرت مسرتي
وقد يحسن الانسان من حيث لا يدري
لو كان الذين طاردوا شيخ الطائفة الطوسي، واضطروه إلى الخروج من بغداد إلى النجف يعلمون ما الذي سينفتح على يده من الإنجاز لتركوا مطاردته وتوددوا إليه أن يبقى في بغداد!! فالشيخ الذي خرج إلى النجف (خائفا يترقب) أصبح محور الحركة العلمية، وكما الفراشات تنجذب إلى الضوء المشع، فقد استقطب الشيخ الطوسي أهل العلم ليس من بغداد والذين كانوا قد حضروا درسه، بل سائر طلاب العلوم من أطراف النجف ممن لم يسبق لهم حضور عنده.
وبالرغم من أن الفترة التي بقي فيها شيخ الطائفة في النجف كانت قصيرة (11) سنة إلا أنها كانت حافلة بالبركة بما يكفي لكي تكون بداية قوية لحوزة علمية كبيرة ومؤثرة. وفيها أكمل الشيخ من كتبه ما كان بدأه في بغداد.
لقد كان الشيخ الطوسي رضوان الله عليه، عالما موسوعيا بل (عالـَم) كبير من المعارف المتنوعة والعلوم المختلفة، فما من باب من أبواب العلم السائد يومئذ مما فيه منفعة، ومحل بحث إلا وطرقه وأبدى رأيا فيه، حتى ليقف الناظر متحيرا مدهوشا، كيف استطاع هذا الشيخ أن يؤلف كل هذه الكتب مع ما أحاط به من الظروف السياسية الضاغطة؟
ولم يكن عمله في كتبه جمعا، وتصنيفا، بل كان الغالب فيه أنه ابتكار وإبداء نظر.
وهذا الأمر جعله يهيمن على الساحة العلمية ليس في زمانه وعلى تلامذته المباشرين فحسب بل استمر إلى ما بعد وفاته قرابة قرن من الزمان، إلى أيام الفقيه المجدد ابن ادريس الحلي، حتى لقد خيف من أن هذه السيطرة
هامش
72 ابن كثير- البداية والنهاية 12. 83.