الشريف وعدم الاحتجاج بخبر الواحد
نعم كان الشريف المرتضى من القائلين بعدم العمل بأخبار الآحاد، حيث أنها لا تفيد علما ولا توجب عملا. وقد تعرض لذلك في كتابه الأصولي: الذريعة، واستدل عليه وناقش القائلين بالعمل بها.
ورأى أنه ليس مستحيلا من ناحية العقل أن يتعبد الله سبحانه وتعالى عباده، بالعمل بخبر الواحد الثقة، في أمور العبادة، فتثبت به العبادات المفروضة، لكن هذا لم يحصل في رأيه، خصوصا مع انطواء ذلك على مفسدة احتمال كذب الراوي وهو احتمال قائم مما يوقع المكلفين في مفاسد. إضافة إلى أن خبر الواحد لا يصنع علما ولا ينتج قطعا.
نعم لو كانت هناك قرائن على صحة الخبر وصدوره أمكن العمل على طبقه.
وهو في عدم العمل بخبر الواحد موافق لأستاذه الشيخ المفيد محمد بن النعمان، لا سيما في أمور العقائد.
وإن كان من تأخر عن المرتضى، بدءا بتلميذه شيخ الطائفة الطوسي، فصاعدا قد بدؤوا بالتنظير للعمل بخبر الواحد، وتشييد الاحتجاج عليه، وبالتالي به، وجرت سيرة العلماء فيما بعد على التعامل مع هذه القضية كقضية مسلَّمة حتى أصبح مسلك الشريف المرتضى مهجورا في مقابل العمل بخبر الواحد الذي صار مشهورا في النظرية والتطبيق.
ويعد الشريف المرتضى من الشعراء المبرزين، والناثرين المترسلين في نفس الوقت، فله في المضمار الأول صولات وجولات يشهد عليها ديوانه، وقد تنوعت ما بين الحماسة والافتخار، وبين الزهد والدعوة إلى التقوى، وبينهما محيط واسع من القصائد في أبواب مختلفة، كالرثاء والمدح، والوصف والغزل، وهو وإن لم يبلغ شهرة أخيه الشريف الرضي في الشعر، إلا أنه لم يكن قاصر الباع ولكن غلب عليه الإنشغال بالعلم والتحقيق والتأليف فغطى ذلك الجانب.
كما كان له منزلة مهمة في أيام البويهيين، حيث تقلد نقابة الطالبيين الأشراف، وكان نافذ الكلمة في حكام عصره.
فصلوات الله[71] على هذا العلم العيلم والبحر الزخار، وحشره الله مع سادته من أهل بيت محمد المصطفى عليهم آلاف التحية والثناء.
هامش
71 كان الخواجه نصير الدين الطوسي إذا ذكر الشريف المرتضى قال: صلى الله عليه. فكان إذا لحظ استغراب الحاضرين، أجاب فورا: كيف لا يُصلى على المرتضى؟ ولا يخفى حسن الانتقال فيه!